قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص72)جامع البيانالطبري٢٠/٧٢: «يقول تعالى ذكره: فعلوا ذلك من الشرك بالله بعد كشف الضر عنهم، لتكون عاقبة أمرهم الكفران بنعمة الله وما آتاهم من العافية، ثم توعدهم الله تبارك وتعالى فقال: فتمتعوا أيها المشركون بدنياكم قليلاً، فسوف تعلمون ما يحل بكم من الخزي والنكال في الآخرة».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص324)مصدر غير محدد٦/٣٢٤ أن اللام هنا لام العاقبة والصيرورة أو لام التعليل المجازي؛ لأن غايتهم ومآل شركهم هو جحود النعمة.
صيغة الأمر في {فَتَمَتَّعُوا}: أمر تهديد ووعيد زاجر، وليس أمر إباحة ولا ترخيص.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«لِيَكْفُرُوا»: الكفر هنا يشمل كفر الجحود والشرك، وكفران النعمة وعدم شكرها.
«فَتَمَتَّعُوا»: المتاع والتمتع هو الانتفاع القصير العاجل بالشيء الزائل ثم انقضاؤه.
«فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ»: سوف حرف استقبال وتأكيد يفيد الوعيد والتهديد الصارم بحلول العقاب في وقته المكتوب.
الإعراب والتركيب النحوي:
{لِيَكْفُرُوا}: اللام لام العاقبة والصيرورة (أو لام التعليل)، يكفروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام بحذف النون، والواو فاعل.
{بِمَا}: الباء حرف جر، وما اسم موصول في محل جر متعلق بـ {يكفروا}.
{آتَيْنَاهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، ونا فاعل، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره (من النعم)، والجملة صلة الموصول.
{فَتَمَتَّعُوا}: الفاء فصيحة، تمتعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، وهو أمر تهديد.
{فَسَوْفَ}: الفاء عاطفة للتعقيب، سوف حرف تسويف وتوكيد للوعيد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الالتفات البلاغي من الغيبة إلى الخطاب المباشر: كان السياق قبله في الغيبة عنهم: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ}، ثم فاجأهم بالالتفات إلى الخطاب المباشر المريع: {فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}؛ كأن الله تعالى بعد أن نعى عليهم قبح صنيعهم التفت إليهم مجابهاً لهم بالتهديد الصاعق؛ ليرتجف وجدانهم من قرب النكال.
حذف مفعول {تَعْلَمُونَ}: حُذف مفعول العلم؛ ليفيد غاية التهويل والفظاعة؛ إذ كل ما يذهب إليه وهم الخائف هو قليل بجانب ما ينتظرهم من عذاب الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استدراج العصاة بالتمتع في الدنيا: يرى بعض المفتونين أن استمرار الكفار في التمتع بالشهوات والخيرات دليل على رضا الله عنهم أو على سلامة منهجهم.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفضح الآية حقيقة هذا المتاع بأنه "متاع استدراج ومهلة حساب"؛ فالله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته؛ فالأمر بالتمتع أمر تهديد لا إكرام، ومتاع الدنيا كله قليل زائل، يعقبه علم اليقين بعذاب النار: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}.