روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أن {الم} فواتح افتتح الله بها كتابه العزيز؛ لإيقاظ أسماع المشركين وقرع قلوبهم لاستماع الوحي المعجز.
ونقل الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص105)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٥ وابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج6/ ص338)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/٣٣٨ أن القول المعتمد عند جمهور المحققين هو أن هذه الحروف الهجائية سيقت للتحدي والإعجاز؛ فالقرآن الكريم مؤلف من عين الحروف التي ينظم منها العرب كلامهم، ومع ذلك عجزوا قاطبة عن معارضته أو الإتيان بسورة من مثله، فدل ذلك دلالة قطعية على أنه تنـزيل من رب العالمين.
القراءات والتوجيه الصوتي: قرأ القراء العشرة بسكون أواخر الحروف الثلاثة في حال الوقف «ألفْ، لامْ، ميمْ»، مع مد اللام والميم مداً لازماً حرفياً مثقلاً في اللام ومخففاً في الميم بمقدار ست حركات، وفي الوصل تكسر الميم أو تفتح للتخلص من التقاء الساكنين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{الم} أسماء للحروف تنطق بمسمياتها وأصواتها، جمعت مخارج الحلق واللسان والشفتين في نسيج صوتي يوقظ المشاعر ويستدعي الإنصات.
الإعراب والتركيب النحوي:
الوجه الأول (الأرجح): لا محل لها من الإعراب لأنها مسرودة لبيان أصوات الحروف وأسمائها.
الوجه الثاني: في محل رفع مبتدأ، وخبرها جملة {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}.
الوجه الثالث: خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هذه الم".
الوجه الرابع: في محل نصب بفعل مقدر تقديره "اتلُ الم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بختام سورة الروم: خُتمت سورة الروم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر والثبات على الوعد الحق وعدم التأثر بفاقدي اليقين: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}، فجاءت فاتحة لقمان بالحروف المقطعة متلوة بذكر "الكتاب الحكيم" لتبين المصدر الذي يستمد منه المؤمن يقينه وثباته وصبره؛ وهو هذا الكتاب المعجز المنـزل من لدن حكيم حميد.
تكرار الفاتحة بـ {الم} في السور المتتالية: جاءت {الم} في أوائل سور: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة؛ لتؤكد وحدة النسيج القرآني وتضافر مقاصد هذه السور في تثبيت العقيدة وإقامة الحجة على الخلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة غموض الحروف المقطعة في بداية السور: يزعم بعض الطاعنين أن افتتاح السور بأحرف مبهمة لا معنى وضعي مفرد لها ينافي بيان القرآن.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
فصّل الإمام فخر الدين الرازي وابن عاشور الرد العقلي؛ مبينين أن البيان القرآني يتنوع بين الدلالة اللفظية والدلالة المقامية الصوتية؛ فافتتاح السورة بحروف هجائية مجردة هو أبلغ أساليب التنبيه لشد انتباه السامع وإسكات لغو المشركين، كما أن عجز بلغاء العرب عن الطعن في هذا النظم أو التشكيك في عربيته برهان عقلي قاطع على اتساقه مع سنن الفصاحة وأساليب البيان العالي.
البراعة الاستهلالية وتناسق الأصوات: تبدأ الآية بصوت الألف المنبعث من عمق الصدر، ثم يمتد النفس في اللام مداً يملأ الفضاء الصوتي، ثم يختم بغنة الميم الرخيمة الهادئة؛ لتهيئة الروح لاستقبال حكم القرآن ومواعظ لقمان الوقورة.
الإشارة التدبرية: هذا الكتاب المبارك ميسر مركب من حروف لغتكم، فمن تدبره نال الحكمة، ومن أعرض عنه خسر الهدى ونال الحرمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم كلام الله وتوقيره: تعويد النفس على الإنصات التام لكتاب الله عند تلاوته، واستشعار هيبة فواتح السور.
التواضع أمام أسرار الوحي: إدراك العبد لمحدودية علمه وافتقاره الدائم إلى نور الوحي الإلهي في فهم حقائق الوجود والغاية من الخلق.