قال الطبري في تفسيره (ج20/ ص41)مصدر غير محدد٢٠/٤١: «يقول تعالى ذكره: ولم يكن لهؤلاء المشركين بالله يوم تقوم الساعة من آلهتهم وأوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله شفعاء يشفعون لهم عند الله فيصرفون عنهم عذابه، بل تبرأت منهم آلهتهم، وكان المشركون بآلهتهم جاحدين كافرين، تبرؤوا منها ولعن بعضهم بعضاً».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص310)مصدر غير محدد٦/٣١٠ أن المشركين لما رأوا أن أوثانهم لا تملك لهم نفعاً ولا ضراً كفروا بعبادتهم لها، وتبرأ الشركاء منهم كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«شُرَكَائِهِمْ»: الأصنام والأنداد والطواغيت والملائكة والجن الذين أشركوهم مع الله في العبادة أو الطاعة، وسُموا شركاء بزعمهم الباطل وإضافتهم هم لهم، وإلا فالله لا شريك له.
«شُفَعَاءُ»: جمع شفيع، وهو الذي ينضم إلى غيره ليعينه ويسأل له النجاة أو التخفيف من العقاب.
«كَافِرِينَ»: جاحدين بآلهتهم متبرئين من عبادتها ولعانين لها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَمْ}: الواو عاطفة، لم حرف جزم ونفي وقلب.
{يَكُن}: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ {لم} وعلامة جزمه السكون وحذفت الواو للتخلص من التقاء الساكنين.
{لَّهُم}: جار ومجرور شبه جملة في محل نصب خبر كان مقدم.
{مِّن شُرَكَائِهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من شفعاء، وشفعاء نكرة تقدم عليها نعتها.
{شُفَعَاءُ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، ولم ينون لأنه ممنوع من الصرف على وزن فعلاء ألف التأنيث الممدودة.
{وَكَانُوا}: كان واسمها (الواو ضمير متصل مبني في محل رفع).
{كَافِرِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان سبب الإبلاس في الآية السابقة: بيّنت هذه الآية العلة النظمية والواقعية لإبلاس المجرمين في الآية السابقة؛ فقد كانوا في الدنيا يمنون أنفسهم بأن شفعاءهم سينقذونهم {هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ}، فلما وقفت بهم الساعة وبطلت شفاعتهم وتبين سراب آمالهم أبلسوا وأيقنوا بالهلاك.
تقديم المتعلق {بِشُرَكَائِهِمْ} على الخبر {كَافِرِينَ}: يفيد التخصيص وإظهار المفارقة الصارخة؛ فالشيء الذي كانوا يقاتلون من أجله في الدنيا ويوالونه وينفقون أموالهم في سبيله، صار هو بالذات أول ما كفروا به وتبرؤوا منه يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شفاعة الأوثان والوسائط الشركية: بني الشرك الوثني في الجاهلية وتفرعاته عبر التاريخ على فكرة "الواسطة والشفاعة العرفية"، قياساً لله تعالى على ملوك الدنيا الذين لا يُوصل إليهم إلا بوزراء وشفعاء يضغطون عليهم.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
هذا قياس فاسد في أصل العقل؛ فملوك الدنيا يقبلون الشفاعة إما لحاجتهم إلى الشفيع، أو لخوفهم منه، أو لجهلهم بحال المستشفع له، والله سبحانه غني مطلق، عليم محيط، لا يملك أحد في ملكوته ذرة إلا بإذنه: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}، فالأصنام جماد لا يعقل ولا يشفع، والملائكة والأنبياء لا يشفعون إلا لمن ارتضى ولا يشفعون للمشرك، فثبت عقلياً بطلان التعلق بأي واسطة شركية.
المقابلة بين الولاء الدنيوي والبراءة الأخروية: تصوير هذا التحول الهائل؛ موالاة واستماتة في الدنيا، يقابلها كفر وتبرؤ وعداوة ولعن في الآخرة.
الإشارة التدبرية: كل علاقة لا تُبنى على التوحيد الخالص لله تنقلب يوم القيامة إلى عداوة وبغضاء وحسرة: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إخلاص التوحيد وتطهير القلوب من التعلق بالمخلوقين: قطع حبال الرجاء بكل مخلوق، وتجريد التوكل لله الحي القيوم الذي لا يزول ملكه.
الحذر من قيادات الضلال: التبرؤ من كل طاغوت أو متبوع يدعو إلى الباطل ويغري أتباعه بالشفاعة أو الحماية المزعومة.