أخرج الإمام الطبري في جامع البيان (ج20/ ص43)مصدر غير محدد٢٠/٤٣ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال: «يُكرمون ويُنعمون ويُسرون».
وروى الطبري بإسناده عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي: «الحَبْرة: السماع والغناء في الجنة؛ تُسمعهم الحور العين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها حسناً ولذاذة».
وقال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج6/ ص311)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/٣١١: «أي يسرون ويفرحون ويثابون نعيماً لا انقطاع له؛ والحَبْرة في لسان العرب: السرور الذي يتهلل به الوجه وتبدو نضرته وجماله».
بيان الروضة: الروضة هي الأرض المخضرة ذات النبات والزهور والمياه الجارية والأشجار الملتفة، وأطلقها القرآن هنا على رياض الجنان ومنازل الكرامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«رَوْضَةٍ»: المكان البستاني الجامع للماء والشجر والرياحين والبهجة، وتنكيرها للتعظيم والاتساع والحسن البالغ.
«يُحْبَرُونَ»: الحَبْرُ هو السرور الفائض والبهجة التي يفيض أثرها على الوجه حُسناً ونضارة؛ يقال: حَبَره يَحْبُره حَبْراً إذا سره وزينه ونضّره، ومنه الحِبار وهو الأثر الحسن في الجلد، وسُمي العالم حَبْراً لحسن علمه وأثره.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بالواو، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف على آمنوا، والصالحات مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{فَهُمْ}: الفاء واقعة في جواب أما الرابطة، {هم} ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ثانٍ.
{فِي رَوْضَةٍ}: جار ومجرور شبه جملة متعلقان بالفعل {يُحْبَرُونَ} أو بمحذوف حال.
{يُحْبَرُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الثاني {هم}، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول {الذين}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل الإجمال القرآني: في الآية السابقة قال: {يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ}، وهذا إجمال مهول يستشرف السامع لمعرفة تفاصيله، فجاءت الآية بأداة التفصيل {فَأَمَّا} لترسم القسم الأول السعيد: أهل الإيمان والعمل الصالح، فبدأ بهم تشريفاً وتكريماً وتبشيراً.
الجمع الدائم بين الإيمان والعمل الصالح: قرن الإيمان القلبي بالعمل الصالح الجارحي: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ لتقرير أن النجاة ودخول الروضة يستلزمان تصديق الجنان مع عمل الأركان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجزاء المجرد عن الاستحقاق: قد يزعم زاعم أن التفرقة بين البشر يوم القيامة تفرقة تحكمية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تدفع الآية هذه الفرية بأن النعيم والروضة رُتبا ترتيب العلة على المعلول والشرط على المشروط؛ فالفوز ثمرة لاختيار الإنسان الحر في دار التكليف للإيمان والعمل الصالح، فكان الجزاء عدلاً وحكمة وإحساناً من الله تعالى.
البلاغة التصويرية للفظة «يُحْبَرُونَ»: بناء الفعل للمجهول يوحي بأن السرور والإكرام يحيطان بهم من كل جانب، وتتلقاهم الملائكة بكل أنواع الحبور، وتتهلل وجوههم نضرة وبهاءً.
الإشارة التدبرية: من استعمل جوارحه في الدنيا في طاعة الله ونزه سمعه وبصره عن الحرام، أورثه الله روضة الخلود، ونعّمه بحبور وسماع تطرب له القلوب والأرواح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرجاء المحرك للعمل: بث الأمل والسكينة في قلوب المؤمنين المستضعفين بأن ما يلاقونه من نصب الدنيا سيعقبه حبور مقيم لا ينقطع.
التلازم بين العقيدة والعمل: لا يغتر المسلم بالأماني الكاذبة، بل يترجم عقيدته إلى طاعات وصدقات وأخلاق صالحة تزفه إلى روضات الجنات.