قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص76)جامع البيانالطبري٢٠/٧٦: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: إذا كان الله هو الباسط الرزق لمن يشاء، وقد آتاك يا محمد وفضل عليك، فأعطِ صاحب القرابة حقه من البر والصلة ومواساة ذوي الحاجة، وأعطِ المسكين العاجز عن الكسب، وابن السبيل المنقطع به في سفره حقهم من الصدقة والمال المفروض».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص326)مصدر غير محدد٦/٣٢٦ أن تسمية العطاء «حقاً» دليل على أن هذا المال ليس تفضلاً ولا منّة من المعطي، بل هو حق شرعي أوجبه الله تعالى للضعفاء في أموال الأغنياء: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.
شرط الإخلاص ونيل الفلاح: {ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}؛ أي لا يبتغون بإنفاقهم رياءً ولا سمعة ولا جزاءً ولا شكوراً من الخلق، بل يطلبون رضا الله والدار الآخرة، فأولئك هم الفائزون بالمطلوب الناجون من المرهوب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«فَآتِ»: الأمر بالإيتاء وهو الإعطاء والبذل بسخاء.
«ذَا الْقُرْبَىٰ»: صاحب القرابة والرحم من جهة الأب أو الأم.
«الْمِسْكِينَ»: الفقير العاجز الذي لا يجد ما يكفيه ولا يفطن له فيُتصدق عليه.
«ابْنَ السَّبِيلِ»: المسافر المجتاز المنقطع عن ماله وبلده وإن كان غنياً في وطنه.
«الْمُفْلِحُونَ»: الفائزون بالظفر والفلاح وهو الفوز برضا الله وجنات النعيم.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَآتِ}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، آتِ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{ذَا}: مفعول به أول منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف.
{الْقُرْبَىٰ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
{حَقَّهُ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{وَالْمِسْكِينَ}: معطوف على {ذا القربى} منصوب بالفتحة.
{ذَٰلِكَ خَيْرٌ}: اسم إشارة مبتدأ، وخير خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{لِّلَّذِينَ}: جار ومجرور متعلقان بـ {خير}.
{يُرِيدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَجْهَ اللَّهِ}: مفعول به منصوب، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
{وَأُولَٰئِكَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، اسم إشارة مبتدأ.
{هُمُ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
{الْمُفْلِحُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترتيب النظمي لمصارف البذل: بدأ بـ {ذَا الْقُرْبَىٰ}؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة رحم، ثم ثنى بـ {الْمِسْكِينَ} للحاجة الدائمة في الحضر، ثم ثلث بـ {ابْنَ السَّبِيلِ} للحاجة العارضة في السفر، فاستوعب الترتيب أولويات التكافل الاجتماعي.
الربط بين بسط الرزق وإنفاقه: لما قرر في الآية السابقة أن الله يبسط الرزق، وجه الغني فوراً إلى وظيفة هذا الرزق؛ وهو ألا يُحتكر ويكنز، بل يُبذل في مصارفه الشرعية لإعانة الضعفاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أن الصدقة تنقص المال وتضعف الاقتصاد: يوسوس الشيطان للبخلاء بأن البذل يورث الفقر: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ}.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقرر الآية العكس تماماً: {ذَٰلِكَ خَيْرٌ} و{أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}؛ فالصدقة والإحسان ينشطان الدورة الاقتصادية في المجتمع، ويقضيان على الفقر والجريمة، ويجلبان البركة الربانية والنماء في المال الحلال، ويحفظان الثروة من الهلاك والآفات، كما صح في الحديث: «ما نقصت صدقة من مال» (صحيح مسلم، حديث رقم 2588)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٥٨٨.