قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص96)جامع البيانالطبري٢٠/٩٦ وابن كثير (ج6/ ص334)مصدر غير محدد٦/٣٣٤: «يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: وما أنت يا محمد بقادر على توفيق من أعمى الله بصيرته عن الحق وصرفه عن الهدى، إن تقدر أن تسمع سماع قبول وتفهم إلا من صدق بآياتنا وحججنا وأيقن بها، فهم خاضعون منقادون لأمر الله مستسلمون لشرعه».
القراءات في {بِهَادِ الْعُمْيِ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر) بإضافة اسم الفاعل {بِهَادِ الْعُمْيِ} بكسر الدال مع حذف الياء في الوصل لالتقاء الساكنين، وجر العمي بالإضافة.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما نافية تعمل عمل ليس (حجازية) أو تميمية مهملة.
{أَنتَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع اسم ما (أو مبتدأ).
{بِهَادِ}: الباء حرف جر زائد لتوكيد النفي، وهادٍ خبر ما (أو خبر المبتدأ) مجرور لفظاً منصوب محلاً بفتحة مقدرة على الياء المحذوفة، وهو مضاف.
{الْعُمْيِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{عَن ضَلَالَتِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {هاد}.
{إِن}: حرف نفي بمعنى ما.
{تُسْمِعُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ {تسمع}.
{يُؤْمِنُ}: فعل مضارع صلة الموصول، والفاعل مستتر.
{بِآيَاتِنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ {يؤمن}، ونا مضاف إليه.
{فَهُم}: الفاء فصيحة أو عاطفة للسببية، {هم} مبتدأ.
{مُسْلِمُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة في محل نصب حال أو معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استكمال ثلاثية تعطيل الحواس الإدراكية: في الآية السابقة ذكر مانع "الموت" ومصيبة "الصمم"، وهنا استكمل الدائرة بآفة "العمى": {وَمَا أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ}؛ ليدل على أن هؤلاء المشركين عطلوا كل منافذ المعرفة والحق (القلب، السمع، البصر)، فصاروا كالموتى الصم العمي، فلا مطمع في هدايتهم ما داموا مصرين على هذا التعطيل.
أسلوب الحصر والقصر في تحديد المنتفعين بالدعوة: قصر السماع النافع على طائفة واحدة: {إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ}؛ لبيان أن الذي يقبل الحق ويسمعه بوعي هو من رزقه الله استعداداً للتصديق، وانقادت جوارحه للإسلام والاستسلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين نفي هداية العمي وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة الجميع: إذا كان النبي لا يهدي العمي، فلماذا أُمر بدعوة الكفار أصلاً؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الهداية في القرآن نوعان:
هداية الدلالة والإرشاد والبيان: وهذه وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أداها لجميع الخلق على السواء: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
هداية التوفيق والتثبيت وخلق الإيمان في القلب: وهذه منفية عن البشر قاطبة ومختصة بالله وحده: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، والمنفي في الآية هو هداية التوفيق لمن اختار العمى وأصر عليه؛ فكانت الدعوة لإقامة الحجة وقطع المعذرة.
زيادة حرف الباء للتوكيد القاطع: في قوله {بِهَادِ} توكيد بليغ بالباء الزائدة لنفي القدرة البشرية على هداية المعاند المتعامي.
الإشارة التدبرية: الفارق بين الرؤية بالعين والرؤية بالبصيرة: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}، فالأعمى الحقيقي هو من يرى آيات الكون ومصائب الدهر ولا يهتدي إلى خالقه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التركيز على الأرض الخصبة في الدعوة: توجيه جهد الداعية نحو القلوب الحية المستجيبة التي ترجو لقاء الله، وعدم إهدار كل الوقت في ملاحقة المعاندين المتربصين.
تحقيق الاستسلام الكامل لله: ختام الآية بقوله {فَهُم مُّسْلِمُونَ} تذكير للمؤمن بأن كمال الإيمان يتجلى في كمال الانقياد والاستسلام لأوامر الله ونواهيه دون تردد أو معارضة بالرأي الفاسد.