قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص84)جامع البيانالطبري٢٠/٨٤: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاستقم على هذا الدين القويم المستمر على الحق، وأقبل عليه بكليتك، من قبل أن يأتيك ويأتي قومك يوم القيامة الذي لا يقدر أحد على رده ولا دفعه إذا جاء به الله وقضى بوقوعه، يومئذ يتفرق الناس فريقين: فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص329)مصدر غير محدد٦/٣٢٩: «الدين القيم: هو الدين المستقيم والشرع المطهر، ويوم لا مرد له: هو يوم القيامة؛ إذا حكم الله بوقوعه فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه».
تفسير {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}:
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: «يَصَّدَّعُونَ: أي يتفرقون تفرقاً لا اجتماع بعده؛ كما يتصدع الزجاج والأرض، فينصدعون إلى أهل شقاوة وأهل سعادة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«الْقَيِّمِ»: المستقيم المعتدل الذي لا انحراف فيه، القائم بمصالح العباد.
«مَرَدَّ»: مصدر ميمي بمعنى الرد والدفع والصرف؛ أي لا رادَّ له يدفعه ويمنع وقوعه.
«يَصَّدَّعُونَ»: أصله يتصدعون، أُدغمت التاء في الصاد للمبالغة، والتصدع هو التشقق الشديد والانفصال الحاسم بين الأجزاء.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ}: الفاء رابطة فصيحة، أقم فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، ووجهك مفعول به والكاف مضاف إليه.
{لِلدِّينِ الْقَيِّمِ}: جار ومجرور ونعت مجرور بالكسرة متعلقان بـ {أقم}.
{مِن قَبْلِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {أقم}.
{أَن يَأْتِيَ}: أن مصدرية، يأتي مضارع منصوب بالفتحة، والمصدر المؤول في محل جر مضاف إليه لـ {قبل}.
{يَوْمٌ}: فاعل يأتي مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لَّا مَرَدَّ}: لا نافية للجنس، مرد اسم لا مبني على الفتح.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا.
{مِنَ اللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {مرد} أو بالفعل المقدر يرد، أو بالخبر المحذوف.
{يَوْمَئِذٍ}: ظرف زمان بدل من يوم أو متعلق بـ {يصدعون}، وإذ مضاف إليه منون تنوين عوض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار الأمر {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} لتقرير الثبات بعد المواعظ التاريخية: تكرر هذا الأمر مرتين في السورة (الآية 30 والآية 43)؛ فالأولى كانت بعد إبطال الشرك بمثل العبيد، وهذه الثانية جاءت بعد تبيان حقيقة الفساد وسقوط الأمم البائدة؛ ليدل على أن السبيل الوحيد للنجاة من مصارع الهالكين هو الاعتصام بهذا الدين القيم.
الروعة الصوتية والمعنوية في لفظة {يَصَّدَّعُونَ}: استخدام صيغة الإدغام والتصدع يوحي بالانفلاق المزلزل؛ كأن الإنسانية كانت في الدنيا كتلة واحدة متداخلة، فلما قامت القيامة تصدعت وانشقت انشقاقاً أبدياً إلى روضات النعيم أو قعر الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأخير التوبة وإمكانية تدارك الأمر في الآخرة: يسوف المفرطون توبتهم طمعاً في شفاعة أو نجاة لاحقة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقطع الآية كل حبائل التسويف بوصفين عقليين قاطعين:
{لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ}: فإذا قضى الله بيوم الحساب فلا قوة في الكون تملك تأخيره ثانية واحدة ولا دفع أهواله.
{يَصَّدَّعُونَ}: فالتفرق هناك جبري قطعي لا مجال فيه للمفاوضة ولا لرجوع إلى الدنيا لتدارك ما فات؛ فمن لم يقم وجهه للدين اليوم فلن يجد غداً إلا التصدع والخسران.
الاستعارة التصريحية أو التمثيلية في {يَصَّدَّعُونَ}: استعير التصدع الذي يقع في الأجسام الصلبة والزجاج والصخور لتفرق الناس وتمايزهم الأبدي؛ لتصوير شدة المفاصلة واستحالة الالتئام بعدها.
الإشارة التدبرية: الاستقامة في زمن الفتن تحتاج إلى "إقامة الوجه"؛ أي التركيز الشديد وعدم الالتفات إلى زخارف الباطل ومغرياته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة بالأعمال قبل فوات الأوان: اغتنام ساعات العمر وأيام الصحة قبل مباغتة الأجل ويوم الحساب الذي لا مرد له.
الثبات على الصراط المستقيم: الصمود على الدين القويم وإن تنكرت له المناهج الأرضية المنحرفة.