بين الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص44)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤ أن المعنى: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا برسله وبآياته المنزلة، وأنكروا البعث ولقاء الله في الدار الآخرة، فهم في عذاب جهنم مُحضرون مجلوبون إليها لا يغيبون عنها ولا يفتر عنهم العذاب أبداً.
وقال قتادة والضحاك: «مُحْضَرُونَ: أي ملازمون للعذاب لا يخرجون منه ولا يموتون فيستريحوا، أُحضروا العذاب وأُحضر العذاب لهم».
اقتران التكذيب بالآيات وبلقاء الآخرة: عطف {وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ} على {بِآيَاتِنَا}؛ لأن إنكار المعاد هو الجذر النفسي الذي يجر إلى التكذيب بآيات الله والاسترسال في الشهوات والظلم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«مُحْضَرُونَ»: اسم مفعول من أحضره، أي أُجلب وقُرب وأُلقي في الموضع كرهاً وقسراً، ومُحضر تفيد الإلزام والملازمة الدائمة بحيث لا يغيب ولا يفلت.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَأَمَّا}: الواو عاطفة مفصلة، أمّا حرف تفصيل وشرط.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{كَفَرُوا}: فعل وفاعل صلة الموصول لا محل لها.
{وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}: معطوف على كفروا، وبآياتنا متعلقان بـ كذبوا، ونا مضاف إليه.
{وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ}: معطوف على آياتنا، ولقاء مضاف، والآخرة مضاف إليه.
{فَأُولَٰئِكَ}: الفاء رابطة لجواب أما، أولاء اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ ثانٍ، والكاف للخطاب.
{فِي الْعَذَابِ}: جار ومجرور متعلقان باسم المفعول {مُحْضَرُونَ}.
{مُحْضَرُونَ}: خبر أولئك مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {فَأُولَٰئِكَ...} في محل رفع خبر {الذين}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة والتقسيم البديع: قابل القرآن بين الفريقين بمقابلة فذة:
اسم الإشارة {فَأُولَٰئِكَ} للتحقير والبعد: استخدم اسم الإشارة للبعيد {أُولَٰئِكَ} للإشعار بانحطاط رتبتهم وبعدهم السحيق عن منازل الرضا والكرامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فناء العذاب أو نسيان المعذبين: قد يظن ظان أن المعذبين يمكن أن يُنسوا أو يخفف عنهم العذاب مع تطاول الآماد.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
لفظ {مُحْضَرُونَ} يبطل هذا التوهم عقلياً؛ فالإحضار صفة ثبوتية لازمة تفيد أنهم مقيدون محبوسون حاضرون في ساحة العذاب لا يغفل عنهم حارس ولا تأخذهم سنة ولا نوم، فالجزاء دائم بدوام كفرهم وإصرارهم.