أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص56)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦ وابن كثير (ج6/ ص318)مصدر غير محدد٦/٣١٨ عن عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي:
{وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أي ملكاً وخلقاً وعبيداً؛ لا يملك أحد لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يخرج أحد عن ربوبيته وقبضته.
{كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}: القنوت يطلق في القرآن على معانٍ: الطاعة، والسكوت، وإدامة العبادة، والخضوع والذل؛ والمراد هنا: خاضعون لربوبيته، داخرون صاغرون لمشيئته وقدره وقضائه، فالكافر والمشرك وإن تمرد على أمر الله الشرعي فإنه قانت خاضع لأمره الكوني؛ يمرض ويجوع ويموت ويبعث قهراً بغير اختياره.
قول السلف في قنوت الظل والجسد: قال مجاهد: «قنوت الكافر: سجود ظله وهو كاره، وخضوع جوارحه لقدر الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«قَانِتُونَ»: جمع قانت، وأصل القنوت دوام الطاعة مع الخضوع والسكوت والذلة، ومنه قنوت الصلاة.
«مَن»: اسم موصول يختص بالعقلاء، وغُلب العقلاء (الملائكة والإنس والجن) على غيرهم لبيان انقياد أشرف المخلوقات لخالقها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَهُ}: الواو استئنافية، والجار والمجرور شبه جملة خبر مقدم في محل رفع.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
{فِي السَّمَاوَاتِ}: جار ومجرور صلة الموصول لا محل لها.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف على السماوات.
{كُلٌّ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، والتنوين تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف (أي: كلُّهم أو كلُّ واحدٍ منهم).
{لَّهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ {قانتون}.
{قَانِتُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} مستأنفة أو مؤكدة لمضمون الجملة السابقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقديم المعمولين لإفادة الحصر المطلق: في قوله {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} قدّم الجار والمجرور {وَلَهُ} لإفادة القصر، وفي قوله {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} قدّم الجار والمجرور {لَّهُ} أيضاً؛ لتأكيد أن المالك والخاضَع له حصراً هو الله وحده، فلا شريك له في ذرة من ملكه.
الارتباط بما قبله: لما ذكر قيام السماء والأرض بأمره، ودعوته للخلق فيخرجون، بيّن العلة في ذلك؛ وهي أن كل من في الوجود عبيد له وملكه، والعبد لا يملك إلا الامتثال لسيده إذا دعاه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تمرد الكفرة والعصاة على مشيئة الله: كيف يقال {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} ونحن نرى الكفار يعصون ويكفرون ويتمردون؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
بيّن المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى، ج8/ ص59)مجموع الفتاوىابن تيمية٨/٥٩ أن الإرادة والمشيئة نوعان:
الإرادة الشرعية الدينية: وهي ما يحبه الله ويرضاه من الإيمان والعمل الصالح، وهذه قد يتخلف عنها الكافر باختياره الذي منحه الله إياه في دار الابتلاء.
الإرادة الكونية القدرية: وهي نفوذ قضائه وقدره وسلطانه على كل ذرة، وهذه لا يشذ عنها كائن أبداً؛ فالكافر مأسور في قبضته، لا يستطيع أن يمنع عن نفسه الموت، ولا المرض، ولا الهرم، ولا الوقوف للحساب، فهو في هذا المعنى "قانت" خاضع داخر رغم أنفه، فدل على عموم القنوت للجميع واستغراقه.
التنكير في «كُلٌّ» المحيطة الجامعة: تنوين العوض في {كُلٌّ} يحيط بجميع الخلائق من أعلى العرش إلى قاع الثرى، ملائكة وإنساناً وجناً، فلا يستثنى أحد.
الإشارة التدبرية: إذا كان الملائكة المقربون وأكابر الأنبياء قانتين خاضعين لله، فما بال هذا الإنسان المسكين يتكبر ويعرض عن طاعة سيده؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق القنوت الاختياري الإيماني: أن يرتقي المسلم من القنوت الكوني القهري الذي يشترك فيه مع الجماد والحيوان والكافر، إلى "القنوت الشرعي المحبوب"؛ فيكون قنوته لله عبادة وخشوعاً وركوعاً وسجوداً طائعاً مختاراً.
اليقين بضعف الطغاة: إذا علمت أن كل متجبر في الأرض هو في حقيقته عبد قانت داخر في قبضة الله، زال خوفك من الطغاة واعتصمت بالواحد القهار.