قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص93)جامع البيانالطبري٢٠/٩٣: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللسامعين: فتأمل يا محمد بعينيك وعقلك آثار غيث الله ومطره ونعمته التي رحم بها عباده، كيف ينبت به الزرع والشجر، ويحيي الأرض الجدبة بالنبات والزهور بعد يبسها وموتها؛ إن الإله القادر على هذا الإحياء العجيب للأرض الميتة لقادر بيقين على إحياء البشر الموتى بعد بلائهم في القبور، وهو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص332)مصدر غير محدد٦/٣٣٢: «هذا تنبيه على المعاد ودليل محسوس على البعث؛ فالذي أحيا هذه الهامدة بعد موتها قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها».
القراءات في {آثَارِ}:
قرأ الجمهور بالجمع {آثَارِ}، جمع أثر؛ لكثرة ما يترتب على المطر من ثمار وأنهار وحياة.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية وحمزة والكسائي بالإفراد {أَثَرِ}؛ والمراد به جنس الأثر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«فَانظُرْ»: نظر التأمل والاعتبار والتدبر العقلي القلبي.
«آثَارِ»: جمع أثر، وهي النتائج والعلامات والثمار الطيبة الدالة على المؤثر.
«رَحْمَتِ اللَّهِ»: الغيث والمطر والنبات؛ وسُمي المطر رحمة لأنه سبب الحياة والخصب والنجاة من الهلاك.
«لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ»: اسم فاعل مقترن بلام التوكيد المزحلقة، يفيد ثبوت قدرة الإحياء ودوامها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَانظُرْ}: الفاء فصيحة، انظر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{إِلَىٰ آثَارِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {انظر}، وآثار مضاف.
{رَحْمَتِ اللَّهِ}: مضاف إليه ومضاف إليه مجرور للتكريم.
{كَيْفَ}: اسم استفهام في محل نصب حال من فاعل {يحيي} أو مفعوله، والجملة معلقة لـ {انظر}.
{يُحْيِي الْأَرْضَ}: مضارع ومفعول به منصوب، والفاعل مستتر يعود على الله.
{إِنَّ ذَٰلِكَ}: إن واسمها (اسم الإشارة مبني في محل نصب).
{لَمُحْيِي}: اللام المزحلقة للتوكيد، محيي خبر إن مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف.
{الْمَوْتَىٰ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
{وَهُوَ}: الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
{عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بالخبر {قدير}.
{قَدِيرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الفاء الفصيحة والدعوة إلى السياحة الإيمانية في الطبيعة: رتب بالفاء على مشهد نزول المطر أمراً بالتأمل: {فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ}؛ ليرقي النظم القرآني نظرة الإنسان من مجرد الفرح النفعي البهيمي بالطعام والماء إلى "النظر الفلسفي الإيماني" الذي يستدل بالأثر على المؤثر، وبالنبات على البعث.
تسمية المطر «رحمة الله» وإضافتها إلى الاسم الأعظم: إضفاء للجلال والمحبة؛ فالمطر ليس مجرد مركب كيميائي (أكسجين وهيدروجين)، بل هو تجسيد حي لرحمة الخالق بعباده وبهائمه.
الاستنتاج العقلي الحاسم بـ {إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ}: الربط القياسي البديهي؛ فالذي أحيا ملايين الهكتارات الميتة بقطرات ماء هو بعينه الذي سيبعث رميم البشر بنفخة صور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استحالة بعث الأجساد بعد تحولها إلى ذرات ترابية: يكرر المكذبون في كل عصر استحالة جمع الرماد والعظام النخرة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الحجة العقلية هنا قائمة على "قياس النظير على نظيره ومماثلة العلة"؛ فالتراب الميت الذي لا نبض فيه تنبت منه الحبوب والأشجار والأزهار والثمار بمجرد ملامسة الماء، وتنتفض الخلايا الحية من الجماد الأصم؛ فالقادر على إيجاد هذه الحياة المعقدة المتنوعة من ذرات التراب لا يعجزه عقلاً أن يعيد تركيب خلايا الإنسان من ذات التراب: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، والإنكار بعد مشاهدة هذا الأثر مكابرة جهولة.