أخرج الإمام الترمذي في سننه (كتاب التفسير، باب ومن سورة الروم، حديث رقم 3193، وقال: حسن غريب صحيح)، وأحمد في المسند (حديث رقم 2495)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٩٥، وابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان، ج20/ ص23)جامع البيانالطبري٢٠/٢٣ عن عبد الله بن عباس ونيار بن مكرم رضي الله عنهم: أن فارس والروم اقتتلتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وكانت فارس مجوساً يعبدون النار، والروم نصارى أهل كتاب، فغلبت فارسُ الرومَ، ففرح كفار مكة بمصيبة الروم وقالوا للمسلمين: «إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون ومجوس فارس إخواننا، وقد غلب إخواننا إخوانكم، ولنغلبنكم كما غلبت فارس الروم»، فحزن المسلمون، فأنزل الله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}.
تحديد هوية الفريقين ومكانهما: الروم هم بنو الأصفر من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت إمبراطوريتهم البيزنطية عاصمتها القسطنطينية تدين بالنصرانية، وفارس يدينون بالمجوسية وعبادة الكواكب والنيران بقيادة كسرى أبرويز.
القراءات الصحيحة وضبط اللفظ:
قراءة الجمهور المتواترة: {غُلِبَتِ} بضم الغين وكسر اللام مبنياً للمجهول، أي غلبها الفرس.
قراءة شاذة مروية عن أبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب: {غَلَبَتِ} بفتح الغين واللام، أي غلبت الرومُ فارسَ حين بلغهم نصر بدر، وقراءة الجمهور هي المعتمدة نصاً وتواتراً وسياقاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«غَلَبَ»: الغلبة هي القهر والاستيلاء والظفر في الحرب بالقوة، والاسم الغَلَب والغَلَبة.
«الرُّومُ»: اسم جنس جمعي لواحدة من أعظم أمم الأرض في ذلك الزمان، ومفرده رومي، وتطلق على نصارى الدولة البيزنطية.
الإعراب والتركيب النحوي:
{غُلِبَتِ}: فعل ماض مبني للمجهول (أو لما لم يُسمَّ فاعله) مبني على الفتح، والتاء للتأنيث الساكنة حركت بالكسر عارضاً لالتقاء الساكنين مع لام التعريف.
{الرُّومُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو خبر للحروف المقطعة على أحد الأعاريب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بناء الفعل للمجهول وحذف الفاعل: حُذف الفاعل (الفُرْس) وبُني الفعل لما لم يُسمَّ فاعله لأغراض نظمية وبلاغية:
العلم التام بالفاعل؛ لأن الواقعة كانت ملء أسماع الدنيا في ذلك العصر، فالصراع بين القوتين العظميين (فارس والروم) معلوم لكل حاضر وبادٍ.
توجيه بؤرة الاهتمام إلى المفعول به المغلوب (الروم)؛ لأن المعجزة والنبوءة والتحول القادم متعلق بهم هم؛ إذ سينتقلون من الانكسار إلى الانتصار، فكان ذكرهم كنائب فاعل مقصوداً بذاته.
التناسب مع واقع المسلمين بمكة: نزلت الآية والمسلمون مستضعفون بمكة قلة مقهورة، فأفهمهم النظم أن دول العالم العظمى تتقلب أحوالها بين نصر وهزيمة، وأن القوة المادية ليست أبدية، مما بث في نفوسهم الأمل واليقين بزوال استضعافهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
إشكال اهتمام القرآن بأخبار الأمم الكافرة في صدر سورة مكية: قد يتساءل سائل: ما شأن دعوة التوحيد في مكة بصراع إمبراطوريتين كافرتين كفارس والروم؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
بين العلامة ابن عاشور في التحرير والتنوير (ج21/ ص42)مصدر غير محدد٢١/٤٢ أن هذا الربط يدل على عالمية الرسالة الإسلامية وتجاوزها الحدود الإقليمية؛ فالإسلام ليس حركة محلية محصورة في شعاب مكة، بل هو رسالة ربانية واعية بموازين القوى العالمية.
كما أن الصراع العقدي بين الوثنية والتوحيد كان يلقي بظلاله النفسية على الفريقين بمكة؛ فانتصار الوثنية (فارس) كان ورقة ابتزاز نفسي استخدمها مشركو مكة لإرهاب المؤمنين، فجاء الرد القرآني الحاسم بإبطال هذا الابتزاز.
الإيجاز بالحذف: إيجاز بليغ بحذف الفاعل وحذف تفاصيل المعارك وخطط الجيوش، والتركيز الخالص على النتيجة العسكرية المحورية: {غُلِبَتِ الرُّومُ}.
التعبير بالماضي: الإخبار بالفعل الماضي المتحقق، تمهيداً للإخبار بالمستقبل الغيبي الذي سيقع قطعا كوقوع الماضي.
الإشارة التدبرية: في تقلب الأقدار بين الأمم دلالة على أن الدنيا دار دول؛ لا يدوم فيها نصر لظالم، ولا يبقى فيها استضعاف لصادق، وأن الله يداول الأيام بين الناس لحكم بالغة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الوعي الاستراتيجي للداعية: الداعية لا يعيش في عزلة عن قضايا عصره وصراعات العالم الكبرى، بل يرصد حركة التاريخ ويفهم موازين القوى ويوظفها في خدمة الحق وتثبيت أتباعه.
التعاطف مع الأقرب إلى الحق: جواز ميل القلوب الإيمانية إلى نصر من هو أقرب إلى دين الله وأهل الكتاب على من هو أبعد وأغلظ كفراً كعبدة الأوثان والنيران، مع البراءة من كفر الجميع.