روى الطبري (جامع البيان، ج20/ ص47)جامع البيانالطبري٢٠/٤٧ وابن كثير (ج6/ ص313)مصدر غير محدد٦/٣١٣ عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي:
يخرج الحي من الميت: كإخراج النطفة الميتة التي لا روح فيها من الإنسان الحي، ثم يخرج الإنسان الحي ذا الروح من النطفة الميتة؛ وكإخراج الفرخ الحي من البيضة الميتة، وإخراج البيضة الميتة من الدجاجة الحية؛ وإخراج النبات الحي الأخضر النضر من الحبة والنواة اليابسة الميتة، وإخراج الحب والنوى الميت من الزرع الحي.
ومثله في المعنى الإيماني: يخرج المؤمن الحي بالإيمان من الكافر الميت بالجهل والشرك (كإبراهيم من آزر، ومحمد صلى الله عليه وسلم من قريش)، ويخرج الكافر من المؤمن (كابن نوح من نوح).
القياس التمثيلي على البعث: {وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ}؛ أي كما يحيي الله الأرض الميتة الهامدة بإنزال الغيث، فتصبح خضراء نضرة، فكذلك تخرجون أنتم أحياء من قبوركم بعد الموت والبلى بالنفخة الثانية.
القراءات في {تُخْرَجُونَ}:
قرأ الجمهور بضم التاء وفتح الراء {تُخْرَجُونَ} مبنياً للمجهول؛ أي يخرجكم الله بقدرته من قبوركم.
وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر بفتح التاء وضم الراء {تَخْرُجُونَ} مبنياً للمعلوم، أي تنبعثون وتخرجون بأنفسكم إجابة لأمر الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«الْحَيَّ»: ذو الحياة والنمو والحس والحركة، ويطلق على الإيمان والنور في القلب.
«الْمَيِّتِ»: ما سلبت منه الحياة، أو الجماد الذي لا نمو فيه ولا نبض، ويطلق على الكفر والجهل.
«كَذَٰلِكَ»: الكاف حرف تشبيه وجر، وذلك اسم إشارة لمشهد إحياء الأرض بالماء؛ أي مثل هذا الإخراج المشاهد تخرجون من القبور.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يُخْرِجُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
{وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}: معطوف على ما قبله.
{وَيُحْيِي الْأَرْضَ}: فعل ومفعول به منصوب.
{بَعْدَ مَوْتِهَا}: بعد ظرف زمان مضاف، وموت مضاف إليه، والهاء مضاف إليه، والظرف متعلق بـ {يحيي}.
{وَكَذَٰلِكَ}: الواو استئنافية، الكاف اسم بمعنى مثل في محل رفع مبتدأ أو نائب مفعول مطلق (أي إخراجاً مثل ذلك)، واسم الإشارة مضاف إليه.
{تُخْرَجُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل هو الواو، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط بين تنزيه الخالق ودلائل قدرته: لما أمر بتسبيحه وحمده في الآيتين السابقتين، ساق هنا الدلائل والبراهين المستوجبة للتسبيح والحمد؛ فمن كانت هذه قدرته في الإحياء والإماتة وتحويل الجماد إلى حياة والحياة إلى جماد فهو المستحق للعبادة وحده.
التدرج من الحسي الدائم إلى الكلي الأخروي: استدل بما هو مشاهد ومكرر في كل لحظة (النبات، النطف، الطيور) على ما هو موعود في المستقبل وهو خروج الناس من الأجداث؛ ليلزم العقل بالتسليم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المحال البيولوجي في إحياء الموتى: يزعم الطاعنون في البعث أن تحلل المادة العضوية واندثارها في التراب يجعل عودتها للحياة مستحيلة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تحاكم الآية العقل البشري بمنطق الواقع المشاهد؛ فالأرض تكون في الصيف صلبة جافة هامدة ميتة لا حركة فيها ولا نبات، فإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج من ملايين البذور الدقيقة الكامنة؛ فالذي حفظ شفرة الحياة في البذرة الميتة وأحياها بالماء، قادر بيقين على حفظ أجزاء الإنسان وإحيائه بنفخة الروح، فالقانون الحيوي واحد، والفاعل هو القادر المقتدر سبحانه.
الطباق المزدوج المتعاكس: بين {الْحَيَّ} و{الْمَيِّتِ}، ثم بين {الْمَيِّتَ} و{الْحَيِّ}، ثم بين {يُحْيِي} و{مَوْتِهَا}؛ طباقات متقابلة متداخلة ترسم حركة المادة في الكون وقبضة الخالق المحكمة عليها.
التعبير بالمضارع {يُخْرِجُ... وَيُحْيِي}: يفيد التجدد والاستمرار؛ فهذه المعجزة لا تقع مرة واحدة وتنتهي، بل تتكرر في كل ثانية ودقيقة في الأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأمل في هداية القلوب القاسية: إدراك أن الله يخرج الحي من الميت يسكب في قلب الداعية أملاً عظيماً في أن القلوب الميتة بالضلال قادرة على أن تحيا بنور الوحي كما تحيا الأرض الميتة بماء المطر.
اليقين بالبعث واستشعار عظمة الخالق: حين ينظر المسلم إلى النبات الأخضر يخرج من التراب اليابس، يستحضر مشهد خروجه هو من قبره ليوم الحساب، فيعد للرحيل زاداً.