الدعوة إلى قراءة التاريخ الميداني وعاقبة المشركين:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص83)جامع البيانالطبري٢٠/٨٣: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بآيات الله: سيروا في مناكب الأرض، وتأملوا بعيونكم وعقولكم آثار الأمم الماضية كعاد وثمود وقوم لوط وفرعون، كيف أهلكهم الله ودمر ديارهم؟! وما كان سبب ذلك الهلاك والاستئصال إلا أن أكثرهم كانوا مشركين بالله جاحدين لرسله».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص329)مصدر غير محدد٦/٣٢٩: «أي فانظروا ما حل بهم من المثلات والنكال، واحذروا أن يصيبكم ما أصابهم؛ فإن الذنب واحد، وسنة الله لا تحابي أحداً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«سِيرُوا»: أمر بالسير والتنقل في البلاد لاستجلاء الآثار والاعتبار.
«فَانظُرُوا»: النظر المقرون بالبصيرة والتأمل والاتعاظ بمآلات الأمور.
«عَاقِبَةُ»: خاتمة الأمر والمآل النهائي الذي ينتهي إليه الإنسان.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{سِيرُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب مقول القول.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {سيروا}.
{فَانظُرُوا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، انظروا فعل أمر وفاعل.
{كَيْفَ}: اسم استفهام مبني في محل نصب خبر كان مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{عَاقِبَةُ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مضاف إليه.
{مِن قَبْلُ}: جار واسم ظرفي مبني على الضم في محل جر متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
{كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ}: كان واسمها وخبرها المنصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مستأنفة مبينة لسبب تلك العاقبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بآية الفساد السابقة: لما قرر في الآية السابقة أن الفساد يظهر بما كسبت أيدي الناس، أمرهم هنا بالتحقق من هذا القانون في سجل التاريخ البشري المنظور: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ}؛ ليروا أن كل حضارة سابقة انهارت وبادت إنما كان سبب فنائها هو الشرك والفساد والظلم.
التعليل الحاسم بـ {كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ}: تذييل يحدد الجرم الأساسي الذي استوجب دمارهم؛ وهو الشرك بالله الذي تنبثق عنه سائر المظالم والمفاسد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حصر أسباب سقوط الحضارات في العوامل الاقتصادية والعسكرية فقط: تفسر النظريات المادية الحديثة (كالماركسية والداروينية الاجتماعية) سقوط الإمبراطوريات بعوامل الجفاف، أو التضخم، أو الهزيمة العسكرية وحدها.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
يقرر التحليل القرآني أن الأسباب المادية إنما هي أدوات ظاهرية تجري وفق "السبب الجذري الأصيل"؛ وهو الخلل القيمي والعقدي: {كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ}؛ فالشرك ينتج الأنانية والطغيان، والطغيان يورث الظلم، والظلم يخرب العمران ويولد الاحتراب الداخلي، فتتساقط الحضارات تحت وطأة سنن الله الصارمة، فالتاريخ يشهد بأن الانهيار الأخلاقي والعقدي يسبق دائماً الانهيار العسكري والاقتصادي.