قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص86)جامع البيانالطبري٢٠/٨٦: «يقول تعالى ذكره: ومهدوا لأنفسهم وفعل الله ذلك بهم ليجزي الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات من واسع فضله وإحسانه، زيادة على ثواب أعمالهم، إنه لا يحب الكافرين به الجاحدين لنعمه، بل يبغضهم ويعذبهم بعدله».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص330)مصدر غير محدد٦/٣٣٠: «يجزيهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله من فضله، كما في الحديث: لن يدخل أحداً منكم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
معنى نفي محبة الكافرين: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}؛ أي يسخط عليهم ويمقتهم ويعاقبهم، وفيه تنبيه على أن الكفر هو العلة في الحرمان من رحمة الله وكرامته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«لِيَجْزِيَ»: الجزاء هو المكافأة على العمل بمثله أو بأفضل منه.
«مِن فَضْلِهِ»: الفضل هو الزيادة والعطاء العظيم الخارج عن حد الاستحقاق المجرد.
«لَا يُحِبُّ»: نفي المحبة يستلزم ثبوت ضدها من المقت والبغض والسخط والعقوبة في حق أعدائه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{لِيَجْزِيَ}: اللام لام التعليل، يجزي مضارع منصوب بأن مضمرة بالفتحة الظاهرة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول.
{آمَنُوا}: فعل ماض وفاعل صلة الموصول.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف ومفعول به منصوب بالكسرة.
{مِن فَضْلِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {يجزي}، والمفعول الثاني محذوف تقديره (الجنة والكرامة).
{الْكَافِرِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بآيات التصدع والمهاد: هذه الآية تعليل للغاية الإلهية من التصدع والفرز والتمهيد في الآيتين السابقتين؛ أي إنما قضى الله بالتصدع وميز بين الناس ليظهر كمال عدله في عقاب الكافرين، وكمال فضله وإحسانه في إثابة المؤمنين.
حذف مفعول الجزاء والتصريح بـ {مِن فَضْلِهِ}: حذف الموعود به (وهو الجنة والنعيم)؛ ليدل على عظمته التي لا تفي بها العبارة، وليربط الأجر بـ «الفضل» مباشرة؛ ليعلم العبد أن الجنة فضل ومنة وليست ثمناً معاوضاً لعمله المحدود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استحقاق الثواب على الله إيجاباً ومعاوضة: زعمت المعتزلة أن الله يجب عليه عقلاً أن يثيب المطيع معاوضة كالأجير.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تصحح الآية هذه العقيدة بقوله تعالى: {مِن فَضْلِهِ}؛ فالعبد وعمله ونعمة توفيقه للهداية كلها ملك لله ومن فضله عليه، فلو حاسب الله العبد بعدله لأحاطت نعمة واحدة بجميع طاعات العبد، ولكن الله يثيب المحسن تفضلاً وإحساناً وكرماً منه سبحانه، فالجنة فضل، والنار عدل.
الإيجاز بالحذف والتعريض البليغ: قوله {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} فيه تعريض بأن الله يحب المؤمنين العاملين الصالحات؛ فاكتفى بنفي محبة الكافرين للدلالة على محبة أوليائه وعقاب أعدائه بأوجز لفظ وأبلغه.
الإشارة التدبرية: رأس مال المؤمن ورجاؤه الأكبر في الآخرة ليس هو ركعاته ولا صيامه، بل هو طمعه في "فضل الله" ورحمته ومحبته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع بين العمل الصالح ورجاء الفضل: يحرص المسلم على إتقان العمل الصالح، وفي الوقت ذاته يعلق قلبه بفضل الله ورجاء كرمه لا بعمله.
الحذر من أسباب سخط الله ومقته: تجنب كل خصلة من خصال الكفر والنفاق والعصيان التي تسلب محبة الله عن العبد.