قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص71)جامع البيانالطبري٢٠/٧١: «يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الناسَ شدةٌ من خوف أو قحط أو مرض، تضرعوا إلى الله بالدعاء وأخلصوا له وحده الدين راجعين إليه، لعلمهم بأنه لا يقدر على كشف ذلك الضر عنهم سواه، ثم إذا فرج عنهم وكشف كربهم وأذاقهم نعمة وخصباً ورخاءً، إذا جماعة منهم يعودون إلى كفرهم ويجعلون مع ربهم شريكاً في العبادة والشكر».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص323)مصدر غير محدد٦/٣٢٣ أن هذا تصوير لحال المشرك الذي تحركه منافعه الآنية، فتستيقظ فطرته عند الشدائد، وتطمسها الغفلة عند الرخاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«مَسَّ»: المس هو مباشرة الشيء وملاقاته برفق وأدنى اتصال، واستعماله هنا يفيد أن الضر وإن كان يسيراً خفيفاً يزعجهم ويقلقهم.
«ضُرٌّ»: الشدة والبلاء من فقر وجوع ومرض وقحط وخوف.
«أَذَاقَهُم»: الإذاقة مأخوذة من الذوق بالفم، واستعيرت هنا لمباشرة النعمة والرحمة واختبار حلاوتها ولذتها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَإِذَا}: الواو استئنافية، إذا ظرفية شرطية غير جازمة.
{مَسَّ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{النَّاسَ}: مفعول به مقدم منصوب.
{ضُرٌّ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة مضاف إليه لـ {إذا}.
{دَعَوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل، والجملة جواب شرط إذا لا محل لها.
{رَبَّهُم}: مفعول به منصوب، وهم مضاف إليه.
{مُنِيبِينَ}: حال منصوبة بالياء من الواو في {دعوا}.
{إِلَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {منيبين}.
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي واستبعاد العودة إلى الشرك بعد النعمة.
{إِذَا}: ظرفية شرطية ثانية.
{أَذَاقَهُم}: فعل وفاعل مستتر ومفعول به.
{مِّنْهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ {أذاقهم}.
{رَحْمَةً}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
{إِذَا}: فجائية رابطة لجواب الشرط الثاني.
{فَرِيقٌ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِّنْهُم}: جار ومجرور نعت لفريق.
{بِرَبِّهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ {يشركون}.
{يُشْرِكُونَ}: مضارع مرفوع والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ {فريق}، وجملة المبتدأ والخبر جواب شرط إذا الثانية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفارقة النفسية الصادمة: أظهر النظم التناقض السلوكي الفاضح؛ في الشدة تبرز الإنابة الخالصة: {دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} حيث تنمحي أسماء الأصنام كلياً ولا يُدعى إلا الله، فلما تحولت الشدة إلى رحمة فاجأوا الوجود بالعودة الفورية السريعة للشرك بـ «إذا الفجائية»: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}.
استعمال لفظ «الإذاقة» في الرحمة: للدلالة على أن أدنى ذوق للنعمة والعافية ينسيهم أهوال البلاء السابقة ويجرهم إلى كفران المنعم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة صحة الشرك مع دعاء الله في الشدائد: إن اعتراف المشركين بأن الله وحده هو كاشف الضر في الشدة برهان عقلي قاطع على بطلان شركهم في الرخاء؛ فالإله الذي لا يقدر على نفعك عند كربك واضطرارك ولا تدعوه في مضيقك، لا يستحق أن تعبده في رخائك وسعتك قط. فالتوحيد يقتضي دوام الإخلاص في السراء والضراء.
الطباق المقابلي بين الحالتين: مقابلة بين ({مَسَّ} / {أَذَاقَ})، وبين ({ضُرٌّ} / {رَحْمَةً})، وبين ({مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} / {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}).
تقديم المعمول {بِرَبِّهِمْ} على {يُشْرِكُونَ}: لتقبيح الشرك وتشنيعه؛ فالشرك وقع بالرب الخالق المنعم المحسن وحده!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات على شكر النعمة وإدامة الإنابة: تحذير المسلم من أن يكون "عابد أزمة" يذكر ربه في الشدائد والامتحانات، فإذا عافاه الله ورزقه أهمل الطاعة واسترسل في الغفلة.
التوحيد في الرخاء والشدة: في الحديث الصحيح: «تعرّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة» (جامع الترمذي وصححه النووي).