أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص51)جامع البيانالطبري٢٠/٥١ وابن كثير (ج6/ ص315)مصدر غير محدد٦/٣١٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}:
اختلاف الألسنة: اختلاف اللغات واللهجات (عربي، عجمي، رومي، سرياني، بربري، عبري...)، واختلاف نغمات الأصوات ونبراتها بين بني آدم؛ فلا تجد شخصين يتطابق صوت كل منهما مع الآخر تطابقاً تاماً بحيث يختلطان في السمع.
اختلاف الألوان: بياض وسواد وحمرة وصفرة وسمرة، مع اتحاد الأصل من تراب وآدم وحواء، وتمايز أشكال الوجوه وتقاسيمها بحيث يُعرف كل إنسان بذاته ولا يختلط بالمليارات من البشر.
القراءات في {لِّلْعَالِمِينَ}:
قرأ الجمهور بكسر اللام {لِّلْعَالِمِينَ} جمع عالِم (بفتح العين وكسر اللام)، أي لأهل العلم وأصحاب العقول النيرة الذين يدركون أسرار الصنعة.
وقرأ حفص عن عاصم (وهي قراءة مشهورة أخرى مروية عن بعض السلف) بفتح اللام {لِّلْعَالَمِينَ} جمع عالَم (بفتح اللام)، أي لجميع الخلق بما يشاهدونه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«أَلْسِنَتِكُمْ»: جمع لسان، ويطلق لغة على العضو المخصوص في الفم، وعلى اللغات والكلام ونغمات الصوت.
«أَلْوَانِكُمْ»: جمع لون، ويطلق على سواد البشرة وبياضها، وعلى تمايز الملامح والسمات والظلال.
«الْعَالِمِينَ»: أولو العلم والمعرفة وأصحاب البصيرة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمِنْ آيَاتِهِ}: جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
{خَلْقُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف، و{السَّمَاوَاتِ} مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف على السماوات.
{وَاخْتِلَافُ}: معطوف على خلق مرفوع بالضمة، وهو مضاف، و{أَلْسِنَتِكُمْ} مضاف إليه، والكاف مضاف إليه.
{لِّلْعَالِمِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لآيات، مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع الإعجازي بين عظمة الكون الكبرى وعظمة التفاصيل البشرية الدقيقة: قرن القرآن في نسق واحد بين خلق الأجرام الكونية الهائلة: {خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وبين الظواهر الإنسانية الدقيقة: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}؛ ليدل على أن الإله الذي أمسك المجرات والأفلاك هو ذاته الذي هندس بصمة الصوت وملامح الوجه واختلاف اللغات، فلا تشغله العظمة الكبرى عن الدقة الصغرى.
تذييل الآية بـ {لِّلْعَالِمِينَ}: ناسب ذكر اللغات والألوان وتناسق الكون أن يختم بذكر "العالمين"؛ لأن فك شفرات اللغات وتمايز الأجناس والجينات الوراثية وعلوم الفلك إنما يختص بها العلماء والباحثون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العنصرية وتفاضل الأجناس الجاهلي: ظن أهل الجاهليات القديمة والمعاصرة أن اختلاف الألوان والأعراق مدعاة للتفاضل والطبقية واستعباد الأبيض للأسود أو العكس.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تنسف الآية الكريمة كل أصول الفاشية والعنصرية نسفاً حاسماً؛ حيث جعلت اختلاف الألسن والألوان "آية من آيات الله" ومظهراً من مظاهر الجمال والتنوع والإعجاز، وليس عيباً ولا سبباً للتعالي، فالبشر سواسية في أصل الخلق والتكريم، وتنوعهم وسيلة للتعارف والتكامل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
الإعجاز في بصمة الصوت والوجه: أثبت العلم الحديث أن لكل إنسان بصمة صوت فريدة لا تتكرر بين مليارات البشر، وتضاريس وجه لا تتطابق حتى في التوائم المتماثلة جينياً، وهو مصداق قاهر لقوله تعالى: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}.
البراعة في الجمع والتفريق: جمع بني آدم في أصل واحد من تراب، ثم فرّق بينهم في ملايين اللغات والأنغام والأشكال والألوان؛ ليدل على طلاقة القدرة الإلهية التي لا تكرر قالباً واحداً.
الإشارة التدبرية: كل لسان ينطق في الأرض، وكل نبرة صوت تخرج من حنجرة إنسان، هي شاهد إثبات على وجود الصانع العليم الخبير الذي لا تختلف عليه اللغات ولا تشتبه عليه الأصوات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة العصبية والعنصرية: تربية المجتمع الإسلامي على نبذ كل فخر بالأنساب والألوان، واعتبار التنوع اللغوي والعرقي ثراءً إنسانياً وآية إلهية تستوجب الشكر.
تقدير العلم والعلماء: الحث على دراسة علوم اللغات، والأجناس، والجينات، والفلك؛ لأنها من مسالك تعميق الخشية واليقين في القلب.