أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص53)جامع البيانالطبري٢٠/٥٣ عن عبد الله بن عباس ومجاهد والسدي وقتادة:
{يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا}: «خوفاً للمسافر أن يصيبه مطره فيتعطل أو تصيبه صاعقة فتحرقه، وطمعاً للمقيم ولأهل الزرع والماشية يرجون بركة الغيث والماء ورحمة الله وخصب بلادهم».
وقيل: خوفاً من الصواعق والغرق وفساد الثمار، وطمعاً في نماء الزرع وجريان الأنهار.
إحياء الأرض بعد موتها كبرهان على البعث: ينزل الماء فتدب الحياة في التربة الميتة؛ ليرى العقلاء عياناً نموذجاً مصغراً ليوم النشور.
ختام الآية بالعقل: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}؛ لأن الربط بين حركة السحاب والبرق والمطر وإحياء الأرض يستلزم عقلاً راجحاً يربط الأسباب بمسبباتها ولا يقف عند حد الانفعال الحسي السطحي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«الْبَرْقَ»: الضوء اللامع الساطع المتولد من تفريغ الشحنات الكهربائية بين السحاب أو بين السحاب والأرض.
«خَوْفًا وَطَمَعًا»: الخوف توقع المكروه واضطراب القلب منه، والطمع ترجي الخير وميل النفس إلى حصوله ونيله.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمِنْ آيَاتِهِ}: جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
{يُرِيكُمُ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به أول والميم للجمع، والمبتدأ المؤخر محذوف تقديره «إراءتُه إياكم البرق»، أو أن مقدرة (أي: أن يريكم البرق).
{الْبَرْقَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
{خَوْفًا وَطَمَعًا}: مفعول لأجله منصوب (أي لأجل الخوف والطمع)، أو في محل نصب حال من المفعول به (أي خائفين وطامعين).
{وَيُنَزِّلُ}: معطوف على يريكم مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر يعود على الله.
{مِنَ السَّمَاءِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {ينزل}.
{مَاءً}: مفعول به منصوب.
{فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ}: الفاء سببية عاطفة، يحيي مضارع معطوف، والفاعل مستتر، وبه متعلقان بـ يحيي، والأرض مفعول به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من آيات الأنفس إلى آيات الآفاق الجوية والمائية: تدرج السياق القرآني من خلق الإنسان، إلى الزوجية، إلى اللغات والألوان، إلى النوم والرزق، ثم اتسع المشهد هنا ليشمل الغلاف الجوي وحركة السحب والبرق والمطر؛ لتكتمل منظومة دلائل التوحيد.
الاقتران الوجداني بين الخوف والطمع: جمع بين النقيضين العاطفيين (الخوف والطمع) في لحظة واحدة وأمام مشهد كوني واحد؛ ليدل على أن الشيء الواحد في يد الله يحمل الرحمة والعذاب معاً، فلا يأمن مكره أحد، ولا ييأس من روحه أحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفسير الفيزيائي المادي المجرد للصواعق والمطر: يزعم الماديون أن نزول المطر وتولد البرق ظواهر مناخية فيزيائية بحتة تخضع لقوانين ضغط الهواء والتكثف ولا علاقة لها بالإرادة الإلهية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
لا تعارض بين معرفة القوانين الفيزيائية (وهي من سنن الله في خلقه) وبين الإقرار بالفاعل العليم الذي وضع هذه القوانين ودبرها؛ فالقانون الفيزيائي يصف "كيف يحدث الشيء"، لكنه لا يفسر "من أوجده وأتقنه ووجهه بهذه الدقة؟". وتوجيه السحاب ونزول الماء بقدر وحساب دقيق ينبت به الغذاء لمليارات الأحياء برهان عقلي قاطع على تدبير العزيز العليم: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
الطباق النفسي البليغ: بين {خَوْفًا} و{طَمَعًا}، وهو طباق يصور ارتعاش الوجدان الإنساني بين الرهبة والرغبة.
الإسناد المجازي الحقيقي: إسناد الإحياء إلى الله تعالى بواسطة الماء: {فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ}؛ للتنبيه على ارتباط المسببات بالأسباب مع انفراد مسبب الأسباب بالقدرة والخلق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
السير بين الخوف والرجاء: تربية المسلم على أن يعيش مع ربه دائماً بين جناحي الخوف والرجاء؛ يخاف عقابه ويرجو رحمته ومغفرته.
الذكر والدعاء عند رؤية البرق والمطر: استحضار الهيبة عند سماع الرعد ورؤية البرق، وسؤال الله صيباً نافعاً مطيراً للرحمة لا مطيراً للعذاب والغرق.