قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص95)جامع البيانالطبري٢٠/٩٥ وابن كثير (ج6/ ص333)مصدر غير محدد٦/٣٣٣: «يقول تعالى ذكره مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عما يلاقيه من عناد المشركين وإعراضهم: فإنك يا محمد لا تقدر أن تسمع موتى القلوب الذين ماتت بصائرهم وطبع الله على قلوبهم سماع فهم وانتفاع، كما لا يقدر أحد أن يُسمع من في القبور، ولا تقدر أن تُسمع فاقدي السمع إذا أدبروا عنك وأعطوك ظهورهم فارين من سماع الحق».
مسألة سماع الموتى في قبورهم في فتاوى السلف:
استدل جمهور العلماء والفقهاء (منهم عائشة رضي الله عنها في بعض الروايات) بهذه الآية على أن الميت في قبره لا يسمع كلام الأحياء على الإطلاق، إلا ما خصه الدليل كقضية قتلى بدر من المشركين حين ناداهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكرد السلام على من سلم عليه عند زيارة القبور.
وذهب محققون آخرون (كابن جرير وابن قتيبة وابن القيم والشنقيطي) إلى أن المنفي في الآية الكريمة هو "سماع الهداية والقبول والانتفاع"، فضرب القرآن مثل الكافر المعرض بالميت في قبره؛ لأن الميت وإن سمع صوتاً لا يستطيع الاستجابة ولا العمل ولا التوبة، فكذلك الكافر لا ينتفع بموعظتك؛ لموت قلبه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«الْمَوْتَىٰ»: جمع ميت، والمراد هنا موتى القلوب بالكفر والجهل، المشبهون بموتى الأبدان في القبور.
«الصُّمَّ»: جمع أصم، وهو من فقد حاسة السمع أصلاً.
«الدُّعَاءَ»: النداء والدعوة إلى الهدى والحق.
«مُدْبِرِينَ»: مفرين مولين ظهورهم هرباً ونفوراً.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَإِنَّكَ}: الفاء فصيحة، إن حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها.
{الْمَوْتَىٰ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{وَلَا تُسْمِعُ}: معطوف على ما قبله.
{الصُّمَّ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة.
{الدُّعَاءَ}: مفعول به ثانٍ منصوب.
{إِذَا}: ظرف زمان متعلق بـ {تسمع} أو بالصم.
{وَلَّوْا}: فعل ماض وفاعل، والجملة مضاف إليه لـ {إذا}.
{مُدْبِرِينَ}: حال منصوبة بالياء من الواو في {ولوا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بعد كشف عنادهم: لما بين في الآية السابقة أنهم لظلوا يكفرون ويجحدون النعم، وتألم النبي صلى الله عليه وسلم لحرصه الشديد على إيمانهم، جاءت الآية لتخفف عن قلبه الشريف؛ فبينت له أن عدم إيمانهم ليس لتقصير في بلاغك وحجتك، بل لفساد القابل وموت البصائر فيهم.
التدرج في المبالغة البيانية:
بدأ بتشبيههم بـ {الْمَوْتَىٰ} وهو أقصى حالات انعدام الاستجابة.
ثم نزل إلى {الصُّمَّ}، وقيده بـ {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}؛ لأن الأصم إذا كان مواجهاً للداعي قد يفهم بالإشارة وحركة الشفاه، فإذا ولى وأدبر جمع بين صمم الأذن وغيبة العين ونفور القلب، فانقطعت كل سبل البلاغ إليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تعارض الآية مع نداء النبي صلى الله عليه وسلم لقتلى قليب بدر: ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى قتلى بدر: «يا أبا جهل، يا عتبة... هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون».
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
حقق الأئمة (كابن تيمية وابن كثير وابن عاشور) أن قضية قليب بدر كانت معجزة خاصة بكرامة النبي صلى الله عليه وسلم وتبكيتاً لهؤلاء الطغاة، أما الأصل العام فهو ما قررته الآية أن الموتى لا يسمعون سماع انتفاع وتكليف، والكفار الأحياء شبّهوا بالموتى في عدم انتفاعهم بالإنذار؛ فالعلة هي انقطاع ثمرة السماع.
التشبيه البليغ والاستعارة التصريحية: استعار لفظ "الموتى" و"الصم" للكفار المعاندين، وحذف أداة التشبيه ووجه الشبه للمبالغة في مطابقة الوصف.
الإشارة التدبرية: الحياة الحقيقية في ميزان القرآن هي "حياة القلب بالإيمان"، والموت الحقيقي هو "موت البصيرة والضمير"، فكم من جسد يتحرك ويأكل في الأسواق وهو ميت عند الله!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوازن النفسي للداعية: ألا يتحسر الداعية ولا يحترق قلبه حزناً على إعراض المعاندين؛ فوظيفته هي البلاغ المبين، أما الهداية والتوفيق فبيد مقلب القلوب.
الحذر من صمم القلب وموته: أن يتفقد العبد قلبه؛ فإذا وجد نفسه لا يتأثر بالقرآن ولا يهتز بالمواعظ، فليعلم أن قلبه مريض أو مشرف على الموت، فليتداركه بالتوبة والاستغفار.