المراد بـ «الربا» في هذه الآية ومسلك السلف في تفسيره:
أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص77)جامع البيانالطبري٢٠/٧٧ وابن كثير (ج6/ ص326)مصدر غير محدد٦/٣٢٦ عن عبد الله بن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والشعبي: «هذا الربا ليس هو الربا المحرم الملعون آكله وموكله، وإنما هو "ربا الهبة والهدية"؛ وهو أن يعطي الرجل الرجلَ عطية أو يهدي إليه هدية يرجو أن يعوضه خيراً منها وأكثر مما أعطاه، فهذا لا أجر له عند الله ولا يربو عنده؛ لأنه لم يرد به وجه الله وإنما أراد نفع الدنيا ومضاعفة ماله عند الناس».
وقيل: هو الربا المحرم الصريح؛ أي ما أعطيتم من قروض ربوية لتربو وتزيد في أموال الناس بالسحت، فإنها ممحوقة البركة لا تزيد عند الله بل توجب سخطه ومحقه، كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}.
تفسير {هُمُ الْمُضْعِفُونَ}:
أي ذوو الأضعاف الكثيرة من الثواب والأجر والبركة؛ يضاعف الله لهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كقولك: "أفلس الرجل" إذا صار ذا فلس، و"أضعف" إذا صار ذا أضعاف مضاعفة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«رِّبًا»: الزيادة والنماء؛ ربا الشيء يربو إذا زاد وعلا.
«لِّيَرْبُوَ»: ليزيد وينمو في أموال الناس.
«الْمُضْعِفُونَ»: اسم فاعل من أضعف، أي الذين ضوعفت حسناتهم وأموالهم وثوابهم أضعافاً كثيرة عند الله.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما شرطية أو موصولة في محل نصب مفعول به مقدم لـ {آتيتم}.
{آتَيْتُم}: فعل وفاعل صلة أو فعل الشرط.
{مِّن رِّبًا}: جار ومجرور بيان لما في محل نصب حال.
{لِّيَرْبُوَ}: اللام لام التعليل، يربو مضارع منصوب بأن مضمرة بالفتحة الظاهرة على الواو، والفاعل مستتر يعود على ما آتيتم، والمصدر المؤول متعلق بـ {آتيتم}.
{فِي أَمْوَالِ النَّاسِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {يربو}.
{فَلَا يَرْبُو}: الفاء رابطة، لا نافية، يربو مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر يعود على الربا، والجملة جواب الشرط أو خبر المبتدأ.
{عِندَ اللَّهِ}: ظرف مكان مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، متعلق بـ {يربو}.
{وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ}: معطوف على الجملة الأولى في المقابلة.
{تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}: جملة فعلية في محل نصب حال من الفاعل في {آتيتم}.
{فَأُولَٰئِكَ}: الفاء رابطة، اسم إشارة مبتدأ.
{هُمُ}: ضمير فصل.
{الْمُضْعِفُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الاقتصادية والروحية الكبرى بين الربا والزكاة: وازن النظم القرآني بين عمليتين ماليتين تبدوان في الظاهر متماثلتين في الرغبة بالزيادة:
الربا: ظاهره النماء والزيادة في أموال الناس، ولكن حقيقته عند الله المحق والصفرية وانعدام الأجر: {فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ}.
الزكاة والصدقة: ظاهرها النقص من المال بالبذل، ولكن حقيقتها عند الله المضاعفة الهائلة والبركة اللامتناهية: {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}.
تقييد الزكاة بإرادة وجه الله: قال {تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}؛ لبيان أن مضاعفة الأجر معلقة بشرط الإخلاص ونقاء القصد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة النماء الحسابي المادي في معاملات الفائدة والربا: يروج الاقتصاديون الرأسماليون أن نظام الفائدة الربوية يضمن نمو الثروة وتراكمها.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
يبين الميزان القرآني والحقائق الاقتصادية الكلية أن الربا يورث الخراب والتضخم وتركيز الثروة في أيدي فئة قليلة مستغلة وتدمير الطبقات العاملة وانهيار الأسواق بالأزمات والديون، فـ "لا يربو عند الله" أي لا يبارك فيه ولا يثمر للمجتمع إلا الفساد والانهيار، بينما نظام الزكاة والتكافل يطلق القوة الشرائية وينعش الإنتاج الحقيقي ويبارك الله فيه مضاعفة في الدنيا وثواباً أبدياً في الآخرة.
المقابلة الطباقية والاشتقاقية البديعة: بين {لِّيَرْبُوَ} و{فَلَا يَرْبُو} طباق سلب، وبينهما وبين {الْمُضْعِفُونَ} جناس ومقابلة معنوية ترجح كفة الزكاة الخالصة.
الإشارة التدبرية: المعاملة مع الله هي التجارة الرابحة التي لا تبور؛ تضع الدرهم لوجه الله فيربيه الله لك كما يربي أحدكم فلوّه حتى يصير مثل الجبل العظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير المعاملات المالية من الربا والشبهات: اجتناب المعاملات الربوية بجميع أشكالها القديمة والحديثة، والحرص على الكسب الطيب المبارك.
إخراج الزكاة والصدقات بنفوس طيبة: استشعار أن ما يخرجه المسلم للفقير ليس نقصاً لماله، بل هو استثمار مضاعف عند الله يجد أثره في بركة أهله وماله ونعيم آخرته.