قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص54)جامع البيانالطبري٢٠/٥٤ وابن كثير (ج6/ ص317)مصدر غير محدد٦/٣١٧: «يقول تعالى ذكره: ومن أدلته وبراهينه العظام ثبات السماء والأرض وقيامهما واستقرارهما بقدرته ومشيئته وأمره بلا عمد ترونها، ولا تتزلزلان ولا تسقط السماء على الأرض إلا بإذنه، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا}».
تفسير الدعوة الواحدة والخروج من الأجداث:
{ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ}: روى الطبري عن مجاهد والسدي وقتادة: «يدعوهم إسرافيل عليه السلام بالنفخة في الصور من صخرة بيت المقدس قائلاً: أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، واللحوم المتفرقة، قوموا لفصل القضاء وموقف الحساب، فإذا هم سراع يخرجون من قبورهم لقيام الساعة كأنهم جراد منتشر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«تَقُومَ»: القيام هنا الثبات والاستقرار والدوام على النظام المرسوم بغير اضطراب ولا زوال.
«بِأَمْرِهِ»: الأمر هو الإرادة والقضاء والقدرة النافذة والكلمة التكوينية {كُن فَيَكُونُ}.
«دَعَاكُمْ دَعْوَةً»: الدعوة النداء والصيحة الواحدة النافذة في عالم الأموات.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمِنْ آيَاتِهِ}: جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
{أَن تَقُومَ}: أن حرف مصدري ونصب، تقوم مضارع منصوب، و{السَّمَاءُ} فاعل مرفوع، و{وَالْأَرْضُ} معطوف، والمصدر المؤول مبتدأ مؤخر.
{بِأَمْرِهِ}: الباء للسببية أو الملابسة، والجار والمجرور متعلقان بـ {تقوم}، والهاء مضاف إليه.
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي واستعظام الحدث القادم.
{إِذَا}: ظرفية شرطية غير جازمة.
{دَعَاكُمْ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر، والفاعل مستتر يعود على الله، والكاف مفعول به.
{دَعْوَةً}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة مؤكد للفعل.
{مِّنَ الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول به (أي كائنين في الأرض)، أو متعلقان بـ {تخرجون}.
{إِذَا}: فجائية رابطة لجواب الشرط.
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{تَخْرُجُونَ}: مضارع مرفوع والواو فاعل، والجملة خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر جواب شرط إذا لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بلوغ ذروة الآيات الكونية (قيام الوجود): ختم سلسلة آيات {وَمِنْ آيَاتِهِ} بأعظم المشاهد الكونية قاطبة؛ وهو إمساك هذا الكون الفسيح الهائل (السماوات والأجرام والأرض) أن ينهار أو يصطدم، وقدرته على إعادة البشر بكلمة واحدة ودعوة واحدة.
المقابلة بين عظمة الكون وصغر الإنسان الميت: الذي يقيم هذا الكون بأسره بغير ركائز ولا أعمدة، أيعجز عن إخراج ذرات الإنسان التائهة في التراب بدعوة واحدة؟! فكان النظم برهاناً ساطعاً يقمع كل شك وشبهة.
مفاجأة الخروج بـ «إذا الفجائية»: {إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ}؛ لبيان سرعة الاستجابة الخاطفة؛ فبمجرد الصيحة والدعوة ينبت الناس ويخرجون في طرفة عين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عسر جمع الأموات بعد تفرقهم في البر والبحر وبطون السباع: استبعد المشركون كيف تجتمع الأجساد بعد أن صارت غباراً.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الحجة العقلية هنا ملزمة ومفحمة؛ فالأمر كله يدور حول "الأمر الإلهي التكويني": {بِأَمْرِهِ}؛ فالكون كله قائم بأمره، فإذا توجه هذا الأمر إلى ذرات التراب بكلمة {دَعْوَةً} انقادت كل ذرة إلى موضعها؛ لأن كل ذرة في الوجود خاضعة لمالكها وموجدها، فالأمر أهون ما يكون على خالق الكون ومدبره.
إيجاز الحذف والإعجاز الصوتي: كلمة {دَعْوَةً} واحدة تدل على غاية السهولة والسرعة، بلا معالجة ولا كلفة ولا تأخر؛ دعوة واحدة فإذا الجميع قيام ينظرون.
الإشارة التدبرية: خضوع الجماد العظيم (السماء والأرض) لأمر الله واستقراره بطاعته، يوجب على هذا الإنسان الضعيف أن يخضع لأوامر ربه الشرعية ولا يخرج عن طاعته طوعاً واختياراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم أمر الله وسلطانه: استشعار هيبة الملك الذي تقوم السماوات والأرض بأمره، وتتزلزل القلوب لمقامه.
الاستعداد لصيحة البعث: تذكر تلك اللحظة الرهيبة حين تدعى من باطن الأرض لتخرج وحدك عارياً حافياً مجرداً من كل مال وعشيرة لتقف بين يدي الله، فماذا أعددت لتلك الدعوة؟!