الاعتبار بمصارع الأمم البائدة: بين الطبري (جامع البيان، ج20/ ص34)جامع البيانالطبري٢٠/٣٤ وابن كثير (ج6/ ص308)مصدر غير محدد٦/٣٠٨ أن الله تعالى يحث كفار قريش ومكذبي كل عصر على السير في بقاع الأرض، ليروا بأعينهم آثار عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين والفراعنة، الذين خلفوا وراءهم دياراً خاوية ومصانع مهدمة.
«وعمروها أكثر مما عمروها»: أي بنوا فيها القصور والمصانع والحصون وملأوها بالحضارة والعمران أكثر مما فعل أهل مكة المتأخرون.
عدل الله في إهلاكهم: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}؛ أي لم يهلكهم الله بغير ذنب ولا بغير حجة، بل أرسل إليهم رسله بالمعجزات والحجج القاطعة، فلما كذبوا وطغوا حقت عليهم كلمة العذاب عقوبة على ظلمهم لأنفسهم بالشرك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«يَسِيرُوا»: من السير وهو الانتقال والمشي في الأرض، والمقصود السير بالبدن المشفوع ببصيرة القلب والاعتبار.
«أَثَارُوا»: من الإثارة وهي التحريك والقلب؛ يقال: أثار الأرض إذا قلبها وحرثها وزرعها واستنبط مياهها.
«الْبَيِّنَاتِ»: الحجج الظاهرة والدلائل المعجزة الواضحة وضوحاً لا لبس فيه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، الواو عاطفة، لم حرف جزم، يسيروا فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {يسيروا}.
{فَيَنظُرُوا}: الفاء سببية أو عاطفة، ينظروا معطوف مجزوم بحذف النون، أو منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب النفي.
{كَيْفَ}: اسم استفهام مبني في محل نصب خبر كان مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، {عَاقِبَةُ} اسمها مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف، و{الَّذِينَ} مضاف إليه.
{وَأَثَارُوا الْأَرْضَ}: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ما قبله.
{وَعَمَرُوهَا}: فعل وفاعل ومفعول به.
{أَكْثَرَ}: نائب عن المفعول المطلق منصوب (أي عمارة أكثر).
{مِمَّا}: من حرف جر، وما مصدرية أو موصولة، {عَمَرُوهَا}: صلتها، والتقدير: أكثر من عمارة هؤلاء لها.
{فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}: ما نافية، كان فعل ماض ناقص، ولفظ الجلالة اسمها، واللام لام الجحود، يظلمهم مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد لام الجحود، والفاعل مستتر، والهاء مفعول به، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بمحذوف خبر كان.
{وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكن حرف استدراك، كانوا واسمها، وأنفسهم مفعول به مقدم لـ {يظلمون}، وجملة يظلمون في محل نصب خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من النظر في "الأنفس" إلى السير في "الآفاق والتاريخ": في الآية السابقة دعاهم للتفكر الباطني الذاتي: {فِي أَنفُسِهِم}، وهنا نقلهم إلى الدليل الميداني الخارجي المحسوس: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ}؛ ليستقر اليقين في قلوبهم من كل باب (باب العقل والوجدان، وباب الآثار والشهادة التاريخية).
تقديم المفعول {أَنفُسَهُمْ} في قوله {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: يفيد الحصر والاهتمام؛ أي أن ظلمهم وشركهم لم يضر الله شيئاً، ولم يضر أحداً بقدر ما ارتد وباءه وعذابه على ذواتهم وأنفسهم، فهم الجناة على أنفسهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الحصانة بالحضارة والقوة المادية: يظن الطغاة وأصحاب التطور الصناعي والهندسي أن قوتهم وعمرانهم يحميانهم من السقوط والهلاك.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تبين الآية بنص قاطع وسياق واقعي أن الأمم السابقة حازت من القوة البدنية والعمرانية وتطويع الأرض وشق الجبال ما يفوق إمكانات الحاضرين في مكة بمراحل: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا}. ومع كل هذه الترسانة المادية والعمرانية الهائلة، صُب عليهم العذاب فصاروا كأمس الدابر لما كفروا بالرسل، مما يثبت عقلياً وتاريخياً أن القوة المادية والعمران المجرد لا يحميان دولة ولا أمة إذا فقدت العدل والإيمان واستعلنت بالبغي.
المقارنة الحضارية البيانية: استخدام اسم التفضيل {أَشَدَّ} و{أَكْثَرَ} لتقزيم كبرياء كفار مكة؛ فمهما بلغتم من اعتزاز وثروة فأنتم قزم أمام عاد وثمود والفراعنة.
استخدام لام الجحود: في قوله {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أبلغ أساليب النفي والنزاهة الإلهية المطلقة عن الظلم؛ فالظلم محال وممتنع في حقه سبحانه وتعالى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة التاريخ ببصيرة الوحي: السير في الأرض وزيارة الآثار التاريخية يجب ألا يكونا لمجرد الترف السياحي أو التباهي الأثري، بل لأخذ العبرة واستشعار هوان العصاة على الله.
حقيقة العدالة الإلهية: ترسيخ عقيدة أن هلاك الأقوام وسقوط الحضارات ثمرة حتمية لظلم الإنسان لنفسه وطغيانه وتكذيبه لرسالات الله.