قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص91)جامع البيانالطبري٢٠/٩١: «يقول تعالى ذكره: ولقد كان هؤلاء الذين أصابهم الله برحمته ومطره، من قبل أن ينـزل الله عليهم هذا المطر، آيسين من نزوله، قانطين منقطعة آمالهم من الغيث لعلمهم بشدة الجدب وتطاول القحط؛ فاستنقذهم الله برحمته».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص332)مصدر غير محدد٦/٣٣٢ عن ابن عباس ومجاهد: «لَمُبْلِسِينَ: أي آيسين يائسين من انقطاع المطر وخائفين من الهلاك؛ فبدل الله يأسهم فرحاً وقنوطهم استبشاراً في لحظة واحدة».
سر تكرار {مِن قَبْلِ} مرتين في الآية:
{مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ}: تكرار لفظ "من قبل" للتوكيد وتصوير شدة القرب الزمني؛ أي قبل نزول المطر بقليل وقبيل مجيئه بلحظات كانوا في غاية اليأس والإبلاس، فجاء الفرج على أثر اليأس مباشرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«لَمُبْلِسِينَ»: الإبلاس هو اليأس الشديد والحزن والقنوط وانقطاع الرجاء مع السكوت والانكسار.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَإِن}: الواو حالية، إن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف (أي: وإنهم كانوا)، أو حرف نفي واللام بعده للإيجاب.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها.
{مِن قَبْلِ}: جار ومجرور متعلقان بالخبر {لمبلسين}، وقبل مضاف.
{أَن يُنَزَّلَ}: أن مصدرية، ينزل مضارع مبني للمجهول منصوب بالفتحة ونائب الفاعل مستتر يعود على المطر أو الودق، والمصدر المؤول في محل جر مضاف إليه لـ {قبل}.
{عَلَيْهِم}: جار ومجرور متعلقان بـ {ينزل}.
{مِّن قَبْلِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه توكيد لـ {من قبل} الأولى، أو متعلقان بمحذوف حال.
{لَمُبْلِسِينَ}: اللام هي الفارقة بين إن المخففة والنافية، مبلسين خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة كان واسمها وخبرها في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة السيكولوجية الصادمة بين الاستبشار والإبلاس: وازن النظم بين حالتين نفسيتين متناقضتين تماماً يفصل بينهما نزول المطر:
الحالة الأولى: {لَمُبْلِسِينَ}؛ قنوط ويأس وغم وخوف من المجاعة والموت.
الحالة الثانية: {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}؛ فرح غامر وضحك وانشراح في الصدور.
التوكيد اللفظي والزمني بـ {مِّن قَبْلِهِ}: أتى بالتأكيد الزمني لإبراز قدرة الله على إحداث التحول الخاطف؛ فالإنسان قد يكون في قاع اليأس صباحاً، ثم يصبح في قمة الفرح والفرج مساءً بفضل رحمة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة التكرار اللفظي في قوله {مِن قَبْلِ... مِّن قَبْلِهِ}: قد يتوهم واهم أن تكرار "من قبل" حشو لغوي.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
بين أئمة البلاغة والنظم (كالزمخشري وابن عاشور) أن هذا التكرار في غاية الدقة البيانية؛ فالأولى تفيد أصل التقديم الزمني، والثانية {مِّن قَبْلِهِ} تفيد تأكيد شدة القرب والتلاحق؛ أي قبيل نزوله بلحظات يسيرة كان الإبلاس مخيماً عليهم؛ لبيان كمال المفارقة وسرعة انقشاع الغمة بفضل الله، وتثبيت قلوب المؤمنين بأن الفرج أقرب ما يكون للعبد حين يشتد الكرب.