قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص101)جامع البيانالطبري٢٠/١٠١: «يقول تعالى ذكره: ففي ذلك اليوم الذي يبعث فيه الناس للحساب، لا ينفع المشركين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر اعتذارهم عما سلف منهم من التكذيب؛ لأن دار العذر والعمل قد انقضت، ولا هم يُطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يرضي الله، ولا يُردون إلى الدنيا ليتوبوا ويستعتبوا؛ بل حقت عليهم كلمة العذاب».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص335)مصدر غير محدد٦/٣٣٥: «أي لا يقبل منهم عذر، ولا يُطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يزيلوا عتبه وغضبه بالتوبة؛ لأن التوبة انقطع وقتها».
القراءات في {يَنفَعُ} و{مَعْذِرَتُهُمْ}:
قرأ الجمهور بالياء {لَّا يَنفَعُ}، لتذكير الفعل لأن الفاعل مؤنث غير حقيقي مجازي التأنيث وهو {مَعْذِرَتُهُمْ}، أو لوجود الفاصل بين الفعل والفاعل.
وقرأ نافع وعاصم في رواية وأبو جعفر بالتاء {لَّا تَنفَعُ}؛ لمراعاة تأنيث المعذرة.
وقرأ الكوفيون بتخفيف التاء في {يُسْتَعْتَبُونَ}، وقرئ في الشواذ بالتشديد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«مَعْذِرَتُهُمْ»: العذر والاعتذار وهو محاولة إبداء الحجة لدفع الملامة والعقاب.
«يُسْتَعْتَبُونَ»: الاستعتاب طلب العُتْبى، والعُتْبى هي الرضا وإزالة العتب والشكوى؛ يقال: استعتبه فأعتبه، إذا طلب منه أن يزيل عتبه فرضي عنه، ومعنى لا يستعتبون: لا يُطلب منهم إرضاء ربهم بالعمل، ولا يُستجاب لهم إذا استقالوا وعادوا.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَيَوْمَئِذٍ}: الفاء عاطفة تفريعية، يومئذ ظرف زمان منصوب مضاف إلى إذ المبنية، متعلق بـ {ينفع}.
{لَّا}: نافية لا عمل لها.
{يَنفَعُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ {ينفع}.
{ظَلَمُوا}: فعل ماض وفاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مَعْذِرَتُهُمْ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهم مضاف إليه.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُسْتَعْتَبُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ {هم}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إغلاق كل منافذ النجاة الوهمية أمام الظالمين: سدت الآية بابين ظن المجرمون أنهم قد يخلصون من العذاب بأحدهما:
باب استدراك العمل أو طلب الرضا والتوبة: {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}؛ فالآخرة دار جزاء محض لا مجال فيها للتكليف ولا للرجوع إلى دار العمل.
تقديم المفعول به {الَّذِينَ ظَلَمُوا}: للاهتمام ببيان المحرومين وتسليط الضوء على خسرانهم المبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تعارض هذه الآية مع قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}:
في سورة المرسلات نفي الإذن بالاعتذار، وهنا نفي نفع المعذرة!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
بيّن العلماء (كالقرطبي وابن كثير والشنقيطي في دفع إيهام الاضطراب) أن يوم القيامة مواقف متعددة وأطوار متطاولة:
في موطن يحاولون الاعتذار والتنصل، فلا تنفعهم معذرتهم ويكذبون: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}.
وفي موطن آخر يُختم على أفواههم وتنطق أيديهم وأرجلهم، فيخرسون ولا يؤذن لهم في الاعتذار؛ لظهور خيانتهم وبطلان حيلهم، فالمعنى متكامل في تصوير الإفلاس الكامل للظالمين.
البلاغة الصارمة في نفي النفع: {لَّا يَنفَعُ}؛ أي حتى لو افترضنا جدلاً أنهم نطقوا بمعذرة وصرخوا بالأكاذيب، فإن هذه المعذرة هباء منثور لا وزن لها ولا نفع.
الإشارة التدبرية: أعظم الحسرات أن تطلب الرجوع إلى الدنيا لركعة واحدة أو تسبيحة واحدة فلا يُسمع لك: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المسارعة إلى الاستعتاب وطلب الرضا اليوم: أن يغتنم المسلم حياته؛ فإننا اليوم في دار الاستعتاب؛ من تاب تاب الله عليه، ومن استغفر غُفر له، قبل أن نصير إلى دار الجزاء التي لا استعتاب فيها.
الابتعاد عن الظلم بجميع صوره: الحذر من الشرك ومن ظلم العباد؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ولا كفارة له في الآخرة إلا القصاص العادل.