قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص85)جامع البيانالطبري٢٠/٨٥: «يقول تعالى ذكره: من كفر بالله من الناس فجزاء كفره ووباله مقصور عليه لا يتعداه إلى غيره، ولا يؤاخذ به أحد سواه، ومن عمل بطاعة الله فآمن به وببره، فلأنفسهم يوطئون ويهيئون منازل الكرامة والراحة في الجنة».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص329)مصدر غير محدد٦/٣٢٩ عن مجاهد وقتادة قولهما في {فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}: «أي يوطئون الفراش في القبور وفي الجنة؛ والمهاد هو الفراش الوثير المهيأ للاستقرار والراحة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ»: أي وبال كفره وعقابه لاصق به ومختص به.
«يَمْهَدُونَ»: المَهْدُ هو التوطئة والتمهيد والتسوية وتجهيز الفراش المريح، ومهد لنفسه في الخير: هيأ لها أسباب النعيم والنجاة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{مَن}: اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{كَفَرَ}: فعل ماض مبني في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره هو.
{فَعَلَيْهِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، عليه جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
{عَمِلَ صَالِحًا}: فعل الشرط ومفعول به أو نائب مفعول مطلق (أي عملاً صالحاً).
{فَلِأَنفُسِهِمْ}: الفاء رابطة، لأنفسهم جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {يمهدون}.
{يَمْهَدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل مقتضى «التصدع» في الآية السابقة: في الآية السابقة قال: {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}، وهنا فصل النظم القرآني المحكم أثر هذا التصدع والفرز؛ فبين مآل الكافر المفرد المحاصر بوزر كفره: {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ}، ومآل أهل العمل الصالح الذين يمهدون لأنفسهم جنات النعيم.
استخدام كلمة «يَمْهَدُونَ» الاستعارية اللطيفة: نقلت الذهن إلى صورة الإنسان الذي يهيئ فراشه الوثير ليستريح بعد تعب ونصب طويل؛ فكأن طاعات الدنيا وأعمالها الصالحة هي الفراش الوثير والمهاد الناعم الذي ينام عليه المؤمن في قبره ويوم قيامته في روضات الجنات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تضرر الله بكفر الكافرين أو انتفاعه بطاعة الطائعين: يظن بعض الجهال أن التكاليف الشرعية لمصلحة تعود على الله تعالى.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقرر الآية كمال الغنى الإلهي المطلق؛ فالله سبحانه لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ}؛ فالضرر محصور في ذات الكافر، و{فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}؛ فالنفع والنعيم عائد كلياً إلى ذات العبد المؤمن، كما في الحديث القدسي العظيم: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها» (صحيح مسلم، حديث رقم 2577)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٥٧٧.