قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص89)جامع البيانالطبري٢٠/٨٩ وابن كثير (ج6/ ص331)مصدر غير محدد٦/٣٣١:
«{يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا}: تحركه من البحار والأرض وتبعثه في الهواء».
«{فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ}: يمدده ويجمعه ويزيده في أفق السماء كيف يشاء من رقة وكثافة واتساع».
«{وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا}: أي قطعاً متفرقة متراكمة بعضها فوق بعض، واحدها كِسْفة؛ وهي القطعة من الشيء».
«{فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ}: الودق هو المطر والقطر؛ تراه يخرج من بين قطع السحاب وفتحاته وثناياه بقدر محسوب».
«{فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}: يفرحون بنزول الغيث على أراضيهم بعد الجدب، ويستبشرون بالخصب والفرج».
القراءات في {كِسَفًا}:
قرأ الجمهور بفتح السين {كِسَفًا} جمع كِسْفة (وهي القطعة)، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية بتسكين السين {كِسْفًا} وهو اسم مفرد بمعنى القطعة، أو مخفف من كِسف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«فَتُثِيرُ»: الإثارة هي التحريك والتهييج والرفع؛ يقال أثار الغبار والسحاب إذا رفعه وحركه.
«كِسَفًا»: قطعاً متراكبة مجتمعة.
«الْوَدْقَ»: قطرات المطر المنحدرة من السحاب؛ يقال وَدَقَتِ السماءُ تَدِقُ وَدْقاً إذا أمطرت.
«يَسْتَبْشِرُونَ»: يفيض عليهم الفرح والسرور وتبدو آثاره على وجوههم استبشاراً بالخصب.
الإعراب والتركيب النحوي:
{اللَّهُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة.
{الَّذِي}: خبر المبتدأ.
{يُرْسِلُ الرِّيَاحَ}: مضارع ومفعول به، والجملة صلة الموصول.
{فَتُثِيرُ سَحَابًا}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، وفعل ومفعول به.
{فَيَبْسُطُهُ}: عطف بالفاء، ومضارع ومفعول به، والفاعل مستتر يعود على الله.
{فِي السَّمَاءِ}: متعلقان بـ {يبسطه}.
{كَيْفَ يَشَاءُ}: كيف اسم شرط أو استفهام في محل نصب حال، ويشاء مضارع مرفوع، والفاعل مستتر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التصوير السينمائي الدقيق لمراحل دورة المطر: تتابعت فاءات التعقيب الأربع: ({فَتُثِيرُ} -> {فَيَبْسُطُهُ} -> {فَتَرَى} -> {فَإِذَا})؛ لترسم أمام العين مشهداً حركياً متسلسلاً مذهلاً يبدأ بهبوب الرياح، فارتفاع السحاب، فتمدده في الأفق، فتراكمه ركاماً طبقياً، فانفجار قطرات المطر (الودق) من خلاله، يعقبه مباشرة الفرح التلقائي المفاجئ للبشر بـ «إذا الفجائية»: {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}.
التطابق مع الاكتشافات المناخية الحديثة: هذا الوصف القرآني يتطابق بالكامل مع علم الأرصاد الجوية في تكوين السحب الركامية الطبقية (المزن الركامي الطبقي)، وكيف تتحول الكتل الغازية إلى قطع ركامية باردة تندمج فتخرج منها قطرات المطر من فجوات وثنايا السحاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العشوائية في هطول الأمطار: يظن البعض أن نزول المطر في بقعة دون أخرى أمر عشوائي تحكمه حركة الرياح التائهة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تبين الآية أن سوق السحاب وتوجيهه مقيد بمشيئة الله الدقيقة وحكمته وقدره: {كَيْفَ يَشَاءُ}، {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}؛ فتجد السحابة المحملة بمليارات الأمتار المكعبة من الماء تمر فوق قرية محتاجة فلا تسقط قطرة، حتى تصل إلى قرية أخرى قد كتب الله لها الرزق فتفرغ ماءها؛ مما يدل على أن قطرات المطر مسيرة بأمر الملك العلام وليست فوضى مادية.