قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص87)جامع البيانالطبري٢٠/٨٧ وابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج6/ ص330)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/٣٣٠: «يقول تعالى ذكره: ومن أدلته وبراهينه على كمال قدرته وتوحيده إرساله الرياح لواقح مبشرات بالغيث والمطر والخصب؛ فتستبشر بها النفوس قبل نزول القطر».
قرأ الجمهور (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، عاصم، ابن عامر) بالجمع {الرِّيَاحَ}، وهو المناسب لرحمة المطر؛ لأن رياح الرحمة تأتي متفرقة متساندة تلقح وتبشر.
وقرأ حمزة والكسائي بالإفراد {الرِّيحَ}؛ والمراد به الجنس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«الرِّيَاحَ»: جمع ريح، وغالباً ما يستعمل القرآن الجمع في موضع الرحمة {الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}، والإفراد في موضع العذاب {رِيحًا صَرْصَرًا}، إلا ما ندر بحسب السياق.
«مُبَشِّرَاتٍ»: اسم فاعل من بشّر، أي حاملات للبشارة بالخير العميم.
«الْفُلْكُ»: السفن، وتطلق على المفرد والجمع بلفظ واحد.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمِنْ آيَاتِهِ}: جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم في محل رفع.
{أَن يُرْسِلَ}: أن حرف مصدري ونصب، يرسل مضارع منصوب، والفاعل مستتر تقديره هو، والمصدر المؤول {أن يرسل} في محل رفع مبتدأ مؤخر (أي: إرسالُه الرياحَ).
{الرِّيَاحَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{مُبَشِّرَاتٍ}: حال منصوبة بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَلِيُذِيقَكُم}: الواو عاطفة على علة محذوفة، واللام لام التعليل، يذيقكم مضارع منصوب بأن مضمرة والكاف مفعول أول.
{مِّن رَّحْمَتِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {يذيقكم} في موضع المفعول الثاني.
{وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ}: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة على الياء، والفلك فاعل.
{بِأَمْرِهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفلك أو بالفعل تجري.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عودة إلى سلسلة آيات التوحيد والآفاق: بعد أن استطرد السياق في بيان أحكام الفطرة ونقد الشرك ومخاطر الفساد، عاد النظم إلى الأسلوب الكوني المحبب للقلوب المصدر بـ {وَمِنْ آيَاتِهِ}؛ ليطوف بوجدان السامع في آفاق الرحمة المسخرة.
التعاقب البديع للامات التعليل: توالت لامات التعليل الأربع: (وليذيقكم -> ولتجري -> ولتبتغوا -> ولعلكم)؛ لتنظيم مسارات النعمة من البعد الحيوي المائي، إلى البعد الملاحي، إلى البعد الاقتصادي، وصولاً إلى الغاية الروحية الكبرى وهي الشكر والتوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفسير الآلي المناخي لحركة الرياح: يزعم الماديون أن حركة الرياح ناتجة فقط عن فوارق الضغط الجوي ودرجات الحرارة، ولا دخل للإرادة الإلهية فيها.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
وجود القوانين الفيزيائية لتوزيع الضغط ودوران الأرض لا يلغي الحكمة من وضع هذه القوانين؛ فمن الذي ضبط الغلاف الجوي بهذه النسب الغازية الدقيقة؟ ومن الذي جعل حركة الرياح متناسقة بحيث تنقل بلايين الأطنان من السحب والماء العذب من المحيطات إلى عمق القارات الجافة؟ فلو اضطرب نظام الرياح يوماً واحداً لاختنقت المدن وتحولت الأرض إلى صحراء قاحلة؛ فإسناد هذا التوازن المحكم للرياح إلى "آيات الله" برهان عقلي على تدبير حكيم عليم.