قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص74)جامع البيانالطبري٢٠/٧٤: «يقول تعالى ذكره: وإذا أعطينا هؤلاء الناس المشركين عافية في أبدانهم، وسعة في معايشهم، ورخاءً في أموالهم، فرحوا بذلك فرح بطر وكبر وأشر، وإن تصبهم نقمة أو بلاء أو فقر بسبب ذنوبهم ومعاصيهم التي عملوها بأيديهم، إذا هم ييأسون من روح الله وفرجه ويقنطون من رحمته».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص325)مصدر غير محدد٦/٣٢٥ أن الآية تذم الطبيعة البشرية الناقصة الساقطة عن رتبة الإيمان، التي تبطر عند النعمة، وتيأس وتنتحب عند البلاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«فَرِحُوا بِهَا»: الفرح هنا هو الفرح المطغي المقترن بالبطر والغرور ونسيان شكر المنعم.
«سَيِّئَةٌ»: البلاء والضر والضيق والفقر الذي يسوء الإنسان ويحزنه.
«يَقْنَطُونَ»: القنوط هو أشد اليأس وانقطاع الرجاء من رحمة الله وفرجه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَإِذَا}: الواو استئنافية، إذا ظرفية شرطية غير جازمة.
{أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً}: فعل وفاعل ومفعول به أول ومفعول ثانٍ، والجملة مضاف إليه لـ {إذا}.
{فَرِحُوا بِهَا}: فعل وفاعل وجار ومجرور، والجملة جواب شرط إذا لا محل لها.
{وَإِن}: الواو عاطفة، إن حرف شرط جازم.
{تُصِبْهُمْ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون والهاء مفعول به.
{سَيِّئَةٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بِمَا}: الباء سببية، وما موصولة أو مصدرية متعلقان بـ {تصبهم}.
{قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}: فعل ماض مبني على الفتح والتاء للتأنيث، وأيديهم فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء، وهم مضاف إليه، والجملة صلة الموصول.
{إِذَا}: فجائية رابطة لجواب الشرط قامت مقام الفاء.
{هُمْ}: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{يَقْنَطُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط بـ {إن}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الدقيقة في استخدام أدوات الشرط ({إِذَا} في الرحمة و{إِنْ} في السيئة):
استعمل مع الرحمة أداة التحقق والكثرة {إِذَا}: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً}؛ لأن رحمة الله ونعمه هي الأصل الغالب المبثوث في الوجود دائماً.
واستعمل مع السيئة أداة الشك والتقليل {إِنْ}: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}؛ للإشعار بأن البلاء طارئ ونادر وقليل بجانب بحار النعم.
إسناد الرحمة إلى الله وإسناد السيئة إلى كسب أيديهم:
قال في الرحمة: {أَذَقْنَا} فأسند الإذاقة والرحمة لذاته العلية تفضلاً وكرماً.
وقال في السيئة: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}؛ فبين أن المصائب والنقم إنما هي من كسب الإنسان وعقوبة على ذنوبه، تنـزيهاً لساحة العدل الإلهي المطلق عن الظلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تناقض السلوك الإنساني بين الغرور واليأس: كيف يجمع الإنسان بين التكبر في الرخاء والانهيار في الشدة؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
هذا أدق تحليل سيكولوجي للنفس البشرية الخاوية من الإيمان بالقدر؛ فالإنسان المادي يعيش في الحاضر المشهود فقط؛ فإذا جاءه المال ظن أنه ملكه بحيلته ففرح وبطر ونسي ربه، فإذا سُلب منه المال انقطعت أسبابه المادية فأبلس وقنط وظن أنه هالك لا محالة؛ لغياب ركيزة الإيمان بالله القادر على تبديل الأحوال، أما المؤمن فرأسه ثابت بين الصبر والشكر: {عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ... إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ} (صحيح مسلم، حديث رقم 2999)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٩٩٩.
المجاز المرسل في «أيديهم»: عبّر بالأيدي وأراد ذواتهم؛ لأن غالب كسب الإنسان وأعماله تقع بواسطة اليد، فكانت الأيدي عنواناً على الكسب والمسؤولية الجنائية والجزائية.
مباغتة القنوط بـ «إذا الفجائية»: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}؛ لتصوير سرعة تهاوي معنوياتهم وانهيار صمودهم المادي عند أول وخزة بلاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التربية على التوازن النفسي الإيماني: ترويض النفس على ألا تبطرها النعم فتطغى، وألا تكسرها المصائب فتقنط، بل يكون العبد شاكراً في الرخاء صابراً في البلاء.
التوبة عند نزول المصائب: إذا نزلت بالمسلم ضائقة، فعليه أن يفتش في سجل أعماله ويتوب من ذنوبه؛ لعلمه أن ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة.