أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص69)جامع البيانالطبري٢٠/٦٩ عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والحسن في قوله: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}: «هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى تفرقوا في دينهم فصاروا فرقاً وأحزاباً، وضلت كل فرقة وابتدعت؛ فتهود قوم وتنصر قوم».
وروى الطبري بإسناده عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما: «أن هذه الآية تتناول أيضاً أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة الذين فارقوا جماعة المسلمين وابتدعوا مقالات ضالة، فصاروا شيعاً وأحزاباً يعادي بعضهم بعضاً».
القراءات في {فَرَّقُوا}:
قرأ الجمهور بتشديد الراء {فَرَّقُوا}، أي جعلوه مفرقاً مشتتاً باتباع بعض ورد بعض.
وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف الراء مع ألف بعدها {فَارَقُوا}، أي تركوا دينهم الذي أمرهم الله به وخرجوا عنه بالابتداع.
معنى {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}: أي كل طائفة وجماعة معجبة برأيها وهواها وبدعتها، مسرورة به تظن أنها على الحق وغيرهم على الباطل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«شِيَعًا»: جمع شيعة، وهي الفرقة والطائفة المتفقة على هوى أو مذهب أو رئيس يتبعونه ويتعصبون له.
«حِزْبٍ»: الحزب هو الجماعة المنعقدة على أمر محدد لمناصرة بعضهم بعضاً ضد الآخرين.
«فَرِحُونَ»: الفرح هنا هو الفرح المذموم؛ فرح الإعجاب بالرأي والغرور والعجب والكبر عن قبول الحق.
الإعراب والتركيب النحوي:
{مِنَ الَّذِينَ}: جار ومجرور في محل جر بدل من المشركين في الآية السابقة (أي: لا تكونوا من المشركين، من الذين...) بدل بعض من كل، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هم من الذين"، أو منصوب بفعل محذوف تقديره "أعني الذين".
{فَرَّقُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{دِينَهُمْ}: مفعول به منصوب، وهم مضاف إليه.
{وَكَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها.
{شِيَعًا}: خبر كان منصوب بالفتحة.
{كُلُّ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{حِزْبٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{بِمَا}: جار ومجرور متعلقان بالخبر {فرحون}، وما موصولة أو مصدرية.
{لَدَيْهِمْ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ما، وهم مضاف إليه.
{فَرِحُونَ}: خبر المبتدأ {كل} مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة المبتدأ والخبر مستأنفة في محل نصب حال أو مقررة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحذير من البوابة الكبرى للشرك (التحزب والفرقة): لما نهى في الآية السابقة عن الشرك: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، أبدل منه هنا {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ}؛ ليدل النظم على أن التفرق في الدين والتحزب المذهبي والتعصب للأهواء هو من جنس الشرك بالله؛ لأن المتحزب يتعصب لجماعته ورأيه كتعصب المشرك لصنمه.
التشخيص النفسي الدقيق للتحزب بـ {فَرِحُونَ}: كشف النظم القرآني آفة التعصب الحزبي؛ فالمتحزب مصاب بـ "العجب المغرور"؛ يرى محاسن نفسه ومساوئ غيره، ويفرح بما عنده ولو كان باطلاً صريحاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مشروعية التعددية الفكرية المفرقة للأمة: يزعم بعض المعاصرين أن تفرق الأمة إلى جماعات وأحزاب متناحرة مظهر من مظاهر الحرية المشروعة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
يفرق الإسلام تفريقاً عقلياً حاسماً بين نوعين من الاختلاف:
الاختلاف الفقهي الفرعي السائغ: وهو اجتهاد العلماء في فهم الفروع مع وحدة الأصل والراية والمحبة والأخوة، فهذا رحمة وثراء.
الاختلاف المفرق للدين {فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}: وهو التفرق في أصول العقيدة، وإحداث البدع، وإقامة الولاء والبراء على أسماء وجماعات وأحزاب ضيقة دون جماعة المسلمين، فهذا محرم بالإجماع وهو المذموم في هذه الآية؛ لأنه يمزق جسد الأمة ويسقط هيبتها.
البلاغة النفسية في وصف التعصب الحزبي: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}؛ جملة صارت مثلاً سائراً يصف العمى الأيديولوجي والتعصب المقيت الذي يحجب العقل عن رؤية الحق عند الآخرين.
الإشارة التدبرية: معيار الحق عند المسلم ليس موافقة جماعته أو حزبه، بل موافقة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):