تفسير النصر وعزوه إلى الله: بين الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص30)جامع البيانالطبري٢٠/٣٠ أن معنى الآية: يفرح المؤمنون بنصر الله للروم على فارس، وبنصر الله للمسلمين على مشركي قريش ببدر؛ لأن كل نصر وظفر يقع في الوجود إنما هو من الله ومن تدبيره، كما قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}.
دلالة مشيئة النصر: {يَنصُرُ مَن يَشَاءُ}؛ أي ينصر من يشاء نصره بحكمته وعدله وسننه، فلا يقدر أحد على معارضة مشيئته أو قهر إرادته.
اقتران العزة بالرحمة: ختم الآية باسمين شريفين من أسماء الله الحسنى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}؛ فهو العزيز الذي لا يُغلب ولا يُقهر في نصرته لمن نصر، وهو الرحيم بأوليائه والمؤمنين به إذ فرّج كربهم ونصرهم على أعدائهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«النَّصْرُ»: الإعانة والتأييد والظفر بالعدو، ونصر الله عبده إذا أعانه وظفره بمن ناوأه.
«الْعَزِيزُ»: مأخوذ من العزة، وهي القوة والغلبة والامتناع؛ فلا يناله قاهر ولا يدركه عجز.
{بِنَصْرِ}: الباء حرف جر للسببية أو الملابسة، ونصر اسم مجرور متعلق بـ {يفرح} في الآية السابقة، ونصر مضاف، ولفظ الجلالة {اللَّهِ} مضاف إليه مجرور للتكريم.
{يَنصُرُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على الله.
{مَن}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
{يَشَاءُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة الصلة لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره "من يشاء نصره".
{وَهُوَ}: الواو عاطفة أو حالية، {هو} ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{الْعَزِيزُ}: خبر أول مرفوع بالضمة.
{الرَّحِيمُ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إضافة النصر إلى الله: قال {بِنَصْرِ اللَّهِ} ولم يقل "بظهور الروم"؛ ليرقي نظر المؤمنين من رؤية الأسباب الأرضية المجردة إلى رؤية المسبب الأعلى ومجري الأحداث، فتتعلق القلوب بالله وحده.
تناسب الاسمين الجليلين {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}: هذا الاقتران في منتهى البلاغة والإحكام؛ فالنصر يحتاج إلى "عزة" وقوة تقهر الباطل، وإلى "رحمة" تصون الحق وتحوط المؤمنين، فجمعت الآية بين جلال القهر وجمال اللطف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة عشوائية النصر والظفر: قد يظن ظان أن قوله {يَنصُرُ مَن يَشَاءُ} يدل على الجبر المحض دون سنن وقوانين.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
أوضح العلامة السعدي في تفسيره (تيسير الكريم الرحمن، ص636)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٦٣٦ أن مشيئة الله تابعة لحكمته البالغة، وليست مشيئة عشوائية مجردة؛ فالله تعالى ينصر من يشاء وفق السنن الكونية والإيمانية التي وضعها في الوجود، فيمد أهل الحق بالنصر إذا استجمعوا أسبابه، ويديل الباطل حيناً لحكمة الابتلاء والتمحيص.
التنكير والتعظيم في النصر: جاء النصر مضافاً إلى الاسم الأعظم {اللَّهِ}، مما يكسوه جلالاً وفخامة تدل على أنه نصر حاسم وعجيب وخارق للمألوف.
الإشارة التدبرية: عزة الله تمنع من سقوط راية الحق نهائياً، ورحمته تمنع من هلاك أتباع الحق واستئصالهم؛ فالمؤمن مطمئن بين عزة تدفع الأعداء ورحمة تحضن الأولياء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رد الفضل إلى أهله: تربية النفس على التواضع عند الانتصارات والفتوحات، ونسبة كل فضل إلى الله تعالى وحده، وترك الفخر والخيلاء.
الاستمداد من العزيز الرحيم: لا يطلب النصر من قوى الأرض المتجبرة ولا من التحالفات المشبوهة، بل يطلب من القوي العزيز الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.