أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص59)جامع البيانالطبري٢٠/٥٩ وابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج6/ ص319)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/٣١٩ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن أهل الشرك من قريش كانوا يقولون في تلبيتهم في الجاهلية: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك»، فأنزل الله تعالى هذا المثل العقلي المحكم لإبطال شركهم وتقريع عقولهم: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ...}.
والمعنى: هل يرضى أحدكم أيها الأحرار الشرفاء أن يكون عبده ورقيقه المملوك له شريكاً مناصفاً له في ماله وتجارته، بحيث يتصرف العبد في المال كما يتصرف سيده، وتخافون أن يقاسمكم العبد أموالكم كما تخافون الأحرار الشركاء من أمثالكم؟! فإذا كنتم تستنكفون وتأنفون من أن تجعلوا عبيدكم شركاء لكم في رزق يسير نحن رزقناكم إياه، فكيف تجعلون لله تعالى شريكاً ونداً من عبيده وخلقه وتعبدونه معه؟!
تفسير {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ}: أي تخافونهم كما يخاف الأحرار بعضهم بعضاً في مقاسمة الميراث والمال والتصرف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«مَّثَلًا»: المثل هو الصفة والقصة العجيبة التي يُقاس بها الغائب على الشاهد لتوضيح الحقائق.
«مَّلَكَتْ أَيْمَانُكُم»: العبيد والإماء المملوكون، وكنى باليمين عن كمال الملك والقدرة.
«سَوَاءٌ»: متساوون في الحقوق والتصرف والقسمة.
«كَخِيفَتِكُمْ»: مصدر خاف يخاف خوفاً وخيفة، والكاف للتشبيه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{ضَرَبَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
{لَكُم}: جار ومجرور متعلقان بالفعل ضرب.
{مَّثَلًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مِّنْ أَنفُسِكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ {مثلاً}.
{هَل}: حرف استفهام إنكاري بمعنى النفي التام.
{لَّكُم}: جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم في محل رفع.
{مِّن مَّا}: من حرف جر، ما اسم موصول مجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من شركاء.
{مِّن شُرَكَاءَ}: من حرف جر زائد لتوكيد النفي والاستغراق، وشركاء مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف.
{فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بشركاء.
{فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}: الفاء عاطفة، أنتم مبتدأ، وفيه متعلقان بسواء، وسواء خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة معطوفة على ما قبلها.
{تَخَافُونَهُمْ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب حال.
{كَخِيفَتِكُمْ}: الكاف حرف تشبيه وجر، وخيفتكم اسم مجرور في محل نصب مفعول مطلق (أي تخافونهم خوفاً كخيفتكم)، وخيفة مضاف، و{أَنفُسَكُمْ} مضاف إليه مجرور، أو مفعول به للمصدر {خيفتكم}.
{كَذَٰلِكَ}: جار ومجرور في محل نصب نائب مفعول مطلق.
{نُفَصِّلُ الْآيَاتِ}: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به منصوب بالكسرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ضرب المثل من واقع الأنفس المقرب: قال {مِّنْ أَنفُسِكُمْ}؛ أي لم يأتِ بمثل غريب ناءٍ، بل انتزعه من أحوالهم الاجتماعية اليومية المسلم بها عندهم، ليكون الإلزام أبلغ والحجة أظهر؛ إذ النفس البشرية لا تنكر ما تشهده في ذاتها.
التدرج الاستفهامي الإنكاري: أتى بـ {هَل} الإنكارية المقرونة بـ {مِن} الاستغراقية: {هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ}؛ ليجبرهم العقل على الإجابة الفورية بـ «لا»، فإذا بطلت الشراكة بين العبد وسيده المخلوق، فبطلانها بين المخلوق وخالقه أظهر وأوجب بالضرورة العقلية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قياس الخالق على المخلوق في الشركاء والشفاعة: يزعم المشركون أن الله كالملك العظيم يحتاج إلى وزراء وحاشية وشركاء يقربون الناس إليه زلفى.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
هذا المثل القرآني يمثل قمة الحجاج العقلي الرصين؛ فالملك الأرضي إنما يتخذ الشركاء والوزراء إما لحاجته إلى قوتهم، أو لفقره إلى أموالهم، أو لجهله بمصالح مملكته، وكل ذلك منتفٍ قطعاً في حق الله الغني العليم القادر. ثم إن المشرك نفسه لا يرضى بمثل هذه الشراكة في ملكه الخاص مع عبده الضعيف، فكيف يرضى لله الملك الحق ما يأنف هو منه لنفسه؟! إنه تناقض عقلي صارخ يكشف سخف العقيدة الوثنية.