قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص102)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٢ وابن كثير (ج6/ ص336)مصدر غير محدد٦/٣٣٦: «يقول تعالى ذكره: ولقد بيّنا للناس في هذا القرآن العظيم من كل مثل من العبر والمواعظ والدلائل العقلية، ونوعنا لهم الحجج والقصص؛ لتتضح لهم الحقائق وتنزاح الشبهات، ولئن جئتهم يا محمد بأي معجزة وآية خارقة كفلق البحر وإحياء الموتى، ليقولن هؤلاء الذين جحدوا وكفروا بعناد واستكبار: ما أنتم أيها الرسول وأتباعك إلا أصحاب سحر وبطلان وكذب».
معنى {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ}: حصر وتكذيب صريح؛ أي ما أنتم إلا أصحاب باطل وترهات وخداع وسحر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«ضَرَبْنَا»: الضرب هنا هو الوضع والبيان والتقرير والتمثيل.
«مِن كُلِّ مَثَلٍ»: أي من كل معنى رائع يحتاج إليه العباد في هدايتهم وتثبيت عقائدهم.
«مُبْطِلُونَ»: جمع مبطل، وهو صاحب الباطل الذي يأتي بالهراء والكذب والسحر، ومبطل في حقيقته هو المكذب نفسه الذي أسقط الحق بالباطل.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَقَدْ}: الواو قسمية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{ضَرَبْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{لِلنَّاسِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {ضربنا}.
{فِي هَٰذَا}: جار واسم إشارة مجرور متعلقان بـ {ضربنا}.
{الْقُرْآنِ}: بدل من اسم الإشارة مجرور بالكسرة.
{مِن كُلِّ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به لـ {ضربنا}، وكل مضاف، و{مَثَلٍ} مضاف إليه.
{وَلَئِن}: الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، إن حرف شرط جازم.
{جِئْتَهُم}: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل والهاء مفعول به.
{بِآيَةٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ {جئتهم}.
{لَّيَقُولَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، يقولن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وجواب القسم أغنى عن جواب الشرط.
{الَّذِينَ}: اسم موصول فاعل يقولن.
{كَفَرُوا}: فعل وفاعل صلة الموصول.
{إِنْ}: حرف نفي ملغى بمعنى ما.
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{مُبْطِلُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة الحجة التامة وقطع المعاذير بالقرآن: بيّن النظم أن هذا القرآن بلغ الغاية في الوضوح والبيان؛ فجمع كل أنواع البراهين (عقلية، وكونية، وتاريخية، وأخلاقية، ونفسية)، فمن لم يهتدِ بهذا القرآن فلن يهتدي بغيره.
كشف عناد الكافرين الميؤوس منه: بينت الآية أن مشكلة الكفار ليست في نقص الأدلة، بل في الرغبة العارمة في الرفض والتكذيب؛ فلو نزلت عليهم أي معجزة حسية اقترحوها لما آمنوا، ولبادروا باتهام النبي وأصحابه بالسحر والإبطال، كما قال تعالى في سورة الأنعام: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طلب المعجزات الحسية الخاصة كشرط للإيمان: يدعي المشككون أنهم لو رأوا معجزة خارقة بعيونهم لآمنوا فوراً.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفضح الآية سيكولوجية المكابر المعاند؛ فالمعاند لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن مبرر للجحود؛ فإذا عاين المعجزة الخارقة نسبها فوراً إلى الخداع البصري أو السحر أو التزوير، كما فعل فرعون مع موسى وقريش مع انشقاق القمر؛ فالقضية قضية "إرادة الكفر" وليست قضية "فقدان البرهان".