تفسير «ظهور الفساد» في البر والبحر في أقوال السلف:
أخرج الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص81)جامع البيانالطبري٢٠/٨١ وابن كثير (ج6/ ص328)مصدر غير محدد٦/٣٢٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة:
«الفساد في البر والبحر: هو قحط المطر، وجفاف الأنهار، وهلاك الزروع والماشية، وغلاء الأسعار، وتتابع الأوبئة والأمراض، وكثرة المظالم والحروب والفتن، وانقطاع سبل التجارة وغرق السفن والقرصنة».
وقال مجاهد وعكرمة: «الفساد في البر: قلة النبات وجدب الأرض وانحباس القطر، والفساد في البحر: انقطاع صيده وغرق أهله وظهور الجور فيه».
وقال أبو العالية: «من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بطاعة الله».
غاية البلاء الدنيوي ورحمة الله فيه: {لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}؛ أي لم يعاقبهم الله بكل ذنوبهم؛ فلو أخذهم بكل ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، بل أذاقهم أنموذجاً يسيراً من شؤم معاصيهم في الدنيا؛ ليكون ذلك زاجراً لهم وموقظاً لبصائرهم لعلهم يتوبون ويرجعون إلى دين الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«ظَهَرَ»: بدا وبرز واستعلن وشاع وصار مشاهداً ملموساً لا يخفى على أحد.
«الْفَسَادُ»: ضد الصلاح، وهو خروج الشيء عن حد الاعتدال والنفع، ويشمل الفساد البيئي والمناخي والمادي والأخلاقي والاجتماعي.
«الْبَرِّ وَالْبَحْرِ»: البر اليابسة، والبحر الماء الكثير من بحار وأنهار، والمراد عموم كوكب الأرض وأرجاء المعمورة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{ظَهَرَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{الْفَسَادُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فِي الْبَرِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ {ظهر}.
{وَالْبَحْرِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{بِمَا}: الباء سببية، وما مصدرية أو موصولة متعلقان بـ {ظهر}.
{كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}: فعل ماض والتاء للتأنيث، أيدي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، وأيدي مضاف، و{النَّاسِ} مضاف إليه.
{لِيُذِيقَهُم}: اللام لام التعليل أو العاقبة، يذيقهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل مستتر يعود على الله، والهاء مفعول به أول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قانون السببية الكونية والأخلاقية (الربط بين العمل الصالح وصلاح البيئة): تؤسس هذه الآية أعظم قانون كلي في الفلسفة القرآنية؛ وهو التلازم التام بين "السلوك الأخلاقي والعقدي للبشر" وبين "النظام البيئي والطبيعي للأرض"؛ فالمعاصي والشرك والظلم ليست مجرد انحرافات فردية، بل هي ملوثات كونية تفسد البر والبحر وتستجلب الكوارث.
التعبير بـ {بَعْضَ} للتنبيه على اللطف الإلهي: قال {لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} ولم يقل "كل الذي عملوا"؛ لأن ذنوب البشر تستوجب الإبادة التامة، ولكن الله يذيقهم جرعة يسيرة من عواقب أفعالهم للردع والاستصلاح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عزو التدهور البيئي والأزمات إلى العوامل الطبيعية المجردة: يزعم دعاة المادية الصرفة أن التغيرات المناخية، والتلوث، وانقراض الأنواع، وجفاف الأنهار نتاج أسباب صناعية ومناخية بحتة لا صلة لها بالدين والأخلاق.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقدم الآية رؤية تكاملية معجزة؛ فالقرآن لا ينفي الأسباب المادية المباشرة، بل يصرح بها: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}؛ فالإنسان بجشعه، واستكباره، وظلمه، ونهبه للموارد، وإشعاله للحروب، وإفساده الأخلاقي والمالي، هو الفاعل المباشر في تلويث البر والبحر وإحداث الخلل البيئي والاقتصادي. ثم يرتقي التحليل القرآني إلى البعد القدري التوجيهي؛ بأن الله تعالى جعل سنته الكونية أن ترتد تلك المفاسد على أصحابها في شكل كوارث وغلاء وأوبئة لتكون أداة ردع ومراجعة: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
الجناس والطباق بين البر والبحر: استيعاب جغرافي لكافة مظاهر الحياة على كوكب الأرض؛ فلا ينجو بر ولا بحر من أثر فساد الإنسان وطغيانه.
الإشارة التدبرية: البلاء الدنيوي في نظر المؤمن ليس انتقاماً محضا، بل هو دواء مر يسوقه الطبيب الرحيم لعباده؛ ليستنقذهم به من داء الغفلة المهلك ويردهم إلى رحاب التوبة والإنابة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المسؤولية البيئية والأخلاقية للمسلم: المسلم مأمور بعمارة الأرض بالعدل والإصلاح، ومنهي عن الإفساد فيها بالمعاصي أو بتخريب البيئة وتلويث المياه وإتلاف الموارد.
المسارعة إلى التوبة عند وقوع الأزمات والكوارث: عند نزول الأوبئة والأزمات الاقتصادية والبيئية، يجب على المجتمعات أن تلجأ إلى التوبة العامة، وإقامة العدل، ورد المظالم، والاستغفار؛ لأن الفساد لا يرتفع إلا بما يضاد سببه وهو الصلاح والرجوع إلى الله.