قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص75)جامع البيانالطبري٢٠/٧٥: «يقول تعالى ذكره: أو لم يرَ هؤلاء المشركون القانطون عند الشدة البطرون عند الرخاء، أن الله يوسع الرزق على من يشاء من خلقه بحكمته وعدله امتحاناً، ويضيق على من يشاء تضييقاً وقَدَراً ابتلاءً، لا لكرامة من وسع عليه ولا لهوان من ضيق عليه؛ بل هو المتصرف في خلقه بما يشاء».
ونقل ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج6/ ص325)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/٣٢٥: «أي هو المعطي المانع الخافض الرافع، يرزق من يشاء رزقاً واسعاً، ويضيق على آخرين لحكمة بالغة لا يدركها كثير من الناس؛ ليعلموا أن أمور الدنيا ليست مقياساً لمحبة الله ورضاه».
التذييل بالإيمان: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}؛ لأن المؤمن هو الذي يربط نعم الدنيا وشدائدها بمشيئة الله وقضائه، فيشكر عند السعة ويصبر عند الضيق ولا يقنط ولا يبطر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«يَبْسُطُ»: البسط هو النشر والتوسيع والمد؛ يقال بسط الرزق إذا وسعه وأكثره وأفاضه.
«وَيَقْدِرُ»: القَدْرُ هنا هو التضييق والتقليل؛ ومنه قوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي ضُيق عليه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{أَوَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الواو عاطفة، لم حرف جزم ونفي وقلب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
علاج آفة القنوط والبطر الواردة في الآية السابقة: في الآية السابقة وصف حال الإنسان العجول الذي إذا أصابته سيئة يقنط، فجاءت هذه الآية لترسيخ العقيدة الصحيحة في الرزق؛ فبينت أن الغنى والفقر بيد الله، فلا داعي للقنوط عند الضيق؛ لأن الباسط قادر على الفرج، ولا داعي للبطر عند الغنى؛ لأن القابض قادر على السلب.
المقابلة بين البسط والقدر: طباق بين النقيضين {يَبْسُطُ} و{يَقْدِرُ}؛ لبيان كمال التصرف والربوبية والتدبير الحكيم للكون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التلازم بين سعة الرزق ورضا الله: يتوهم أهل الدنيا أن كثرة المال دليل على الفضل والكرامة، وأن الفقر دليل على الهوان عند الله.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تبطل الآية هذا الوهم المادي القاصر؛ فالرزق يجري وفق مشيئة الله وحكمته في ابتلاء العباد؛ فقد يبسط للكافر استدراجاً، ويقدر على النبي والمؤمن صيانة ورفعة لدرجاته، فالمعيار الحقيقي للكرامة عند الله هو التقوى والعمل الصالح وليس حجم الثروة: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا}.
الطباق المعنوي والإيجاز: الجمع بين البسط والقدر يغطي كل تقلبات الاقتصاد والمعايش البشرية.
الإشارة التدبرية: تدبير الأرزاق برهان باهر على الألوهية؛ فلو كان الرزق بالحيلة والذكاء لكان العباقرة أغنى الناس والجهلاء أفقرهم، ولكن نرى الأمر يجري بتقدير عليم حكيم يكسر غرور البشر ويجعلهم معلقين برب الأرباب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرضا بالقضاء والقدر: استقرار السكينة في قلب المسلم؛ فلا يحسد الغني على ماله، ولا يجزع الفقير لضيق عيشه، بل يرضى بما قسم الله ويسعى في الكسب الحلال.
عدم القنوط عند الأزمات الاقتصادية: ثقة المؤمن بأن الرزاق ذو القوة المتين يملك مفاتيح الفرج بعد كل ضيق.