قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص62)جامع البيانالطبري٢٠/٦٢: «يقول تعالى ذكره: ما كفر هؤلاء المشركون بربهم عن حجة وبرهان، بل اتبع الذين كفروا وظلموا أنفسهم أهواءهم التي دعتهم إليها شهواتهم بغير علم أتاهم من عند الله، ولا برهان عثروا عليه».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص320)مصدر غير محدد٦/٣٢٠: «أي بل عدل المشركون عن الدلائل والبراهين العقلية الواضحة، واتبعوا في عبادتهم الأوثان جهالات آبائهم وأهواء نفوسهم بلا بصيرة ولا أثارة من علم».
معنى {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}: استفهام إنكاري بمعنى النفي القاطع؛ أي لا أحد يقدر على هداية من قضى الله عليه بالضلال لتماديه في الظلم وإعراضه عن الحق؛ لأنه طمس استعداده الفطري للهداية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«بَلِ»: حرف إضراب انتقالي، للإضراب عن التفكير العقلي السليم إلى بيان الدافع الحقيقي لكفرهم وهو الهوى.
«أَهْوَاءَهُم»: جمع هوى، وهو ميل النفس إلى ما يلائم شهوتها وغرائزها بغير هدى من الله.
«نَّاصِرِينَ»: جمع ناصر، وهو الذي يمنع عنهم عذاب الله وينقذهم من عقابه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{بَلِ}: حرف إضراب، وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين.
{اتَّبَعَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل.
{ظَلَمُوا}: فعل ماض وفاعل، صلة الموصول لا محل لها.
{أَهْوَاءَهُم}: مفعول به منصوب، وهم مضاف إليه.
{بِغَيْرِ عِلْمٍ}: جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل (أي متلبسين بالجهل التام)، وعلم مضاف إليه.
{فَمَن}: الفاء استئنافية، من اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ.
{يَهْدِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
{مَنْ}: اسم موصول في محل نصب مفعول به.
{أَضَلَّ اللَّهُ}: فعل ماض مبني على الفتح، والله فاعل مرفوع، والجملة صلة الموصول.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{لَهُم}: جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
{مِّن نَّاصِرِينَ}: من حرف جر زائد لتوكيد النفي، وناصرين مبتدأ مؤخر (أو اسم ما) مجرور لفظاً مرفوع محلاً بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإضراب بـ {بَلِ} لكشف الجذور النفسية للشرك: بعد أن أقام عليهم الحجة العقلية الرياضية بمثل العبد والشريك في الآية السابقة، بين أن امتناعهم عن الإيمان ليس لنقص في الحجة ولا لغموض في الدليل، بل هو ناشئ عن دافع نفسي رديء وهو: اتباع الهوى والشهوة والعناد بغير علم.
شبهة نسبة الإضلال إلى الله والجبر في أفعال العباد: كيف يقول {مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} ثم يعاقبهم ولا ينصرهم؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
بيّن المحققون (كابن القيم في شفاء العليل والرازي في تفسيره) أن إضلال الله للعبد ليس ظلماً ابتداءً ولا إجباراً له على الكفر، وإنما هو "عقوبة عادلة وجزاء وفاق" على اختيار العبد للهوى وإصراره على الظلم ورفضه للحق بعد بيانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، فحرمهم الله التوفيق وتركهم لأنفسهم وأهوائهم، ومن خذله الله وحرمه التوفيق فلن تجد له ولياً مرشداً ولا ناصراً يدفع عنه العذاب.
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى العجز المطلق: {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}؛ استفهام يقرع القلوب، فإذا أغلقت أبواب الهداية من السماء بسبب العناد، فمن ذا الذي يملك فتحها؟!
الإشارة التدبرية: أخطر صنم يُعبد في الأرض ليس هو الحجر ولا الخشب، بل هو "صنم الهوى": {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}؛ فالهوى يعمي البصائر ويجعل صاحبه يرفض أوضح البديهيات العقلية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التجرد من الهوى وطلب الحق بالدليل: تربية النفس على الانقياد للدليل الشرعي والعقلي، ومحاسبة النفس على النوايا والمقاصد لئلا يتسلل إليها الهوى المستتر.
عدم اليأس ولكن معرفة طبائع المعاندين: الداعية يبذل غاية جهده في البيان، فإذا عاند المكابر وركب هواه علم الداعية أن أمره إلى الله الذي يعلم المفسد من المصلح.