قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص68)جامع البيانالطبري٢٠/٦٨: «يقول تعالى ذكره: فأقم وجهك للدين حنيفاً راجعين إلى الله تائبين مقبلين على طاعته مقلعين عما يسخطه، واتقوا الله بطاعته واجتناب معاصيه، وأقيموا الصلاة المفروضة بحدودها وأركانها، ولا تكونوا من المشركين الذين يعبدون الأوثان مع الله».
وقال قتادة والسدي: «المنيب: التائب الراجع إلى الله المخلص له العبادة».
عطف الجماعة بعد إفراد الخطاب: بدأ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مفرداً {فَأَقِمْ وَجْهَكَ}، ثم جاء الحال بصيغة الجمع {مُنِيبِينَ}، ثم الأوامر والنواهي بالجماعة {وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا}؛ دلالة على أن الخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته من ورائه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«مُنِيبِينَ»: جمع منيب، من أناب ينيب إنابة إذا رجع وأقبل إلى الشيء مرة بعد مرة، والإنابة إلى الله: دوام الرجوع إليه بالتوبة والانقطاع إليه بالعبادة.
«وَاتَّقُوهُ»: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل المأمور وترك المحظور.
«الصَّلَاةَ»: الصلاة المكتوبة، وعماد الدين ورابطة العبد بربه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{مُنِيبِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وصاحب الحال الضمير المستتر في {أقم}، وجاءت جمعاً لأن المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، أو حال من الناس في الآية السابقة.
{إِلَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان باسم الفاعل {منيبين}.
{وَاتَّقُوهُ}: الواو عاطفة، اتقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والهاء ضمير متصل مفعول به، والجملة معطوفة على المعنى المقدر لـ {أقم}.
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}: فعل أمر وفاعل ومفعول به منصوب.
{مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: جار ومجرور شبه جملة في محل نصب خبر تكونوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج العملي لتحقيق إقامة الوجه للدين: في الآية السابقة أمر بأمر كلي: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا}، وهنا فصل الأركان العملية الأربعة التي تتحقق بها هذه الإقامة:
الإنابة القلبية المستمرة: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}.
التقوى الحامية من المحارم: {وَاتَّقُوهُ}.
إقامة الصلوات المفروضة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}.
البراءة المطلقة من الشرك والمشركين: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
تخصيص الصلاة بالذكر بعد الأمر بالتقوى والإنابة: لبيان أن الصلاة هي المظهر العملي الأكبر لتوحيد الله وإقامة الدين، وهي الفارق الحاسم بين الإيمان والشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاكتفاء بالتوحيد القلبي دون أداء الفرائض العملية كالصلاة: يزعم بعض أهل الإرجاء والتفريط أن الإيمان في القلب فقط ولا ضرورة للأعمال الظاهرة كالصلاة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
ترد الآية بنص صريح؛ فالأمر بإقامة الوجه للدين والفطرة لم يكتفِ بالنوايا الباطنة، بل اشترط إقامة الصلاة مقرونة بالتحذير من الشرك: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، فترك الصلاة تضييع لعماد الدين وانسلاخ عن مقتضى الفطرة الإيمانية، وموافقة لحال المشركين الذين لا يصلون لله تعالى، كما في الحديث الصحيح: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (صحيح مسلم، حديث رقم 82)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٨٢.
التحول البلاغي من الإفراد إلى الجمع: فيه إشارة إلى أن الدين لا يقوم به الفرد وحده في عزلته، بل يحتاج إلى أمة متآزرة وجماعة مؤمنة تنيب وتقيم الصلاة وتتواصى بالحق.
الإشارة التدبرية: تكرار لفظ "الإنابة" يدل على أن المؤمن دائم الرجوع إلى ربه؛ فكلما مالت به النفس أو تعثر في ذنب عاد مسرعاً إلى كنف سيده منيباً مستغفراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وتؤدة: أداء الصلاة في أوقاتها بشروطها وأركانها؛ فإنها صلة الروح بالسماء، وزاد الثبات على الفطرة.
البراءة من مشابهة المشركين: اعتزاز المسلم بهويته الإسلامية، وتجنب التشبه بأهل الشرك في عقائدهم وأخلاقهم وشعاراتهم.