تفسير {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} عند السلف والمحققين:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، حديث رقم 4974)مصدر غير محددحديث رقم ٤٩٧٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤاً أحد».
وروى الطبري (جامع البيان، ج20/ ص57)جامع البيانالطبري٢٠/٥٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}:
الوجه الأول (الأشهر): أي الإعادة أهون على الله من البدء في مقاييس عقولكم وموازينكم أنتم أيها البشر؛ لأن المتعارف عند العقلاء أن إعادة صنع الشيء أيسر من ابتكاره لأول مرة، فخاطبهم الله بما يفهمونه ووفق منطقهم العقلي.
الوجه الثاني: الكل هين على الله تعالى، لا يعجزه شيء، ولا يشق عليه بدء ولا إعادة؛ فمعنى "أهون عليه" أي هين يسير عليه جداً، فصيغة أفعل هنا ليست للمفاضلة بين شاق وأهون، بل للدلالة على كمال السهولة واليسر عنده سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
تفسير {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ}:
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة (تفسير ابن كثير، ج6/ ص319)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/٣١٩: «المثل الأعلى: الوصف الأكمل المطلق؛ فله سبحانه صفات الكمال والجلال التي لا يشاركه فيها أحد، فكل كمال في المخلوق لا نقص فيه فالخالق أولى به، وكل نقص نُزه عنه المخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه». وقيل: هو شهادة أن لا إله إلا الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«أَهْوَنُ»: اسم تفضيل من الهَوان والهَوْن، وهو اليسر والسهولة والخفة.
«الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ»: المثل يطلق على الصفة العلية والشأن العظيم والذكر الأرفع، والأعلى اسم تفضيل من العلو المطلق.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَهُوَ}: الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
{يَبْدَأُ}: مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{الْخَلْقَ}: مفعول به منصوب.
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي.
{يُعِيدُهُ}: معطوف على يبدأ، والهاء مفعول به.
{وَهُوَ}: الواو حالية أو عاطفة، هو مبتدأ.
{أَهْوَنُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَلَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {أهون}.
{وَلَهُ}: الواو عاطفة، له جار ومجرور خبر مقدم.
{الْمَثَلُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْأَعْلَىٰ}: نعت للمثل مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
{فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: جار ومجرور ومعطوف متعلقان بمحذوف حال من المثل الأعلى.
{وَهُوَ}: مبتدأ.
{الْعَزِيزُ}: خبر أول.
{الْحَكِيمُ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسن الختام ورد العجز على الصدر: افتتح هذا المقطع في الآية (11) بقوله تعالى: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، ثم فصل في آيات الآفاق والأنفس، وختم هذا الجزء الكبير بنفس الحقيقة مؤكدة بالبرهان العقلي الساطع: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}؛ فالتحم أول المقطع بآخره في براعة نظمية بالغة الإحكام.
التعقيب بـ {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ}: بعد أن استعمل في حق نفسه صيغة التفضيل البشرية {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} للتنـزل مع عقول المخاطبين، أعقبها مباشرة بقوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ}؛ ليدفع أي توهم بأن في أفعاله ما هو شاق وما هو أهون؛ فنبه على أن له الوصف الأكمل الذي يجل عن قياس المخلوقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة المفاضلة في أفعال الله تعالى: كيف يقال "أهون عليه" مع أن أفعال الله لا تتفاوت في المشقة والسهولة؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
بين أئمة العقيدة والتحقيق (كالطحاوي والرازي وابن كثير) أن هذا الخطاب من باب "إلزام الخصم بما يعتقده ويقر به عقله"؛ فالكافر الذي يقر بأن الله خلق السماوات والأرض والإنسان أول مرة، يستحيل في بديهة عقله أن يزعم أن إعادة هذا الإنسان بعد موته أصعب على الله من خلقه أولاً! فالإعادة في موازين البشر أيسر وأهون، والله تعالى يخاطبهم بموجب منطقهم الرياضي والعقلي لإفحامهم، مع تقرير أن الكل في حق قدرته المطلقة سواء: {إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
اقتران العزة بالحكمة في الختام: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ العزيز الذي لا يمتنع عليه خلق ولا إعادة، الحكيم الذي يضع الإحياء والموت والبعث والجزاء في مواضعه الحقة اللائقة بكمال حكمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استقرار اليقين بالمعاد والقدرة: ترسيخ طمأنينة القلب بأن كل ميت سيبعث، وكل مظلوم سينتصف له، وكل حق سيؤدى، فالذي بدأ الوجود سيعيده بيقين ويسر.
تنزيه الله وإثبات صفات الكمال: إفراد الله تعالى بالمثل الأعلى، وتعظيم شأنه، وتبرئته من كل نقائص المخلوقين، والتعلق بأسمائه وصفاته في كل شأن.