بين الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص46)جامع البيانالطبري٢٠/٤٦ أن المعنى: ولله وحده الحمد والثناء الجميل يحمده أهل السماوات من الملائكة المقربين، وأهل الأرض من الإنس والجن المؤمنين، لما يفيض عليهم من صنوف النعم والأرزاق والآيات.
ونقل ابن كثير (ج6/ ص313)مصدر غير محدد٦/٣١٣: «هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض، وهو المحمود في الأوقات كلها، وخص منها أوقات التحول: العشي وحين تظهرون».
تتمة أوقات الصلوات المفروضة: «عشياً» هي صلاة العصر حين تميل الشمس للغروب، «وحين تظهرون» صلاة الظهر حين ينتصف النهار وتشتد الظهيرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«الْحَمْدُ»: الثناء باللسان على الجميل الاختياري مع المحبة والتعظيم، والألف واللام لاستغراق كل المحامد لله وحده.
«عَشِيًّا»: العشي هو الوقت من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل ما بين الظهر والمغرب، وجمعه أعشية.
«تُظْهِرُونَ»: من الظهيرة، أي تدخلون في وقت الظهر واستواء الشمس في كبد السماء.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَهُ}: الواو عاطفة أو اعتراضية، والجار والمجرور خبر مقدم في محل رفع.
{الْحَمْدُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: جار ومجرور ومعطوف متعلقان بمحذوف حال من الحمد أو بالفعل يحمدونه المقدر.
{وَعَشِيًّا}: الواو عاطفة، عشياً ظرف زمان منصوب معطوف على {حين تمسون}.
{وَحِينَ}: معطوف على عشياً، وهو مضاف.
{تُظْهِرُونَ}: فعل مضارع تام مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ {حين}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاعتراض النظمي الفخم بجملة الحمد: توسط قوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بين أوقات التسبيح (حين تمسون، وحين تصبحون، وعشياً، وحين تظهرون)؛ ليدل على أن الكون كله مكاناً (سماوات وأرضاً) وزماناً (مساء وصباحاً وعشياً وظهيرة) مستغرق في تنزيه الله وحمده، فتنضم صلاة المؤمن وذكره إلى سيمفونية الكون الكبرى المسبحة بحمد ربها.
الجمع بين التسبيح والتحميد: التسبيح تخلية وتنزيه عن النقائص، والتحميد تحلية وإثبات لصفات الكمال، فجمعت الآيتان بين ركني التوحيد والتنزيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة غفلة الكفار عن حمد الله في الأرض: كيف قال {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ومعظم أهل الأرض كفار لا يحمدونه؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
أجاب المحققون كابن القيم في مفتاح دار السعادة (ج1/ ص240)مصدر غير محدد١/٢٤٠: بأن حمد الله حاصل في الأرض من وجهين:
حمد المقال: من الأنبياء والملائكة والمؤمنين وسائر المخلوقات من الدواب والشجر التي تسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
حمد الحال والاستحقاق: فكل نعمة يتنعم بها حتى الكافر، وكل آية في الآفاق تنطق بحمد الله وحكمته وتستوجب حمده، فالله محمود بذاته وبآياته وإن جحده الجاحدون بلسانهم؛ إذ أجسادهم وظلالهم ساجدة خاضعة لنواميسه قهراً.
تقديم المسند {وَلَهُ}: يفيد القصر والحصر؛ أي لا يستحق الحمد المطلق على كل حال وفي كل مكان إلا هو سبحانه.
الإشارة التدبرية: توزيع العبادات على أوقات اليوم الأربعة يربط قلب المسلم بالعرش على مدار الساعة؛ فلا يكاد يمضي شطر من يومه إلا ولديه موعد مع التسبيح والحمد والصلاة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عمارة الأوقات بالحمد: تعويد اللسان على قول "الحمد لله" في السراء والضراء، وتدبر نعم الله المبثوثة في السماوات والأرض.
إحياء أوقات الظهيرة والعصر: عدم الانشغال بضغط التجارة ومشاغل المعاش عن صلاتي الظهر والعصر؛ فهما ميقاتان لحمد الله وتطهير القلب من غبار الكد الدنيوي.