قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص97)جامع البيانالطبري٢٠/٩٧ وابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج6/ ص334)تفسير القرآن العظيمابن كثير٦/٣٣٤: «يقول تعالى ذكره منبهاً على تصريف الإنسان في أطوار الخلقة حالاً بعد حال، ليستدل بضعفه وفقره وتقلب أحواله على كمال قدرة خالقه وتفرده بالربوبية:
{خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ}: أي بدأ خلقكم من نطفة مهينة ضعيفة، ثم طفلاً رضيعاً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يقوى على حركة.
{ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً}: أي طور الشباب والفتوة واكتمال العقل واشتداد الأركان والبنية.
{ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}: أي طور الشيخوخة والكهولة والهرم، فتكل القوى، وينحني الظهر، وتبيض الشعور، ويرد الإنسان إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً».
القراءات في لفظ {ضَعْفٍ} و{ضُعْفٍ}:
قرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد {ضَعْفٍ} في المواضع الثلاثة من الآية، وهي لغة قريش والحجاز.
وقرأ الجمهور (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، الكسائي، أبو جعفر، يعقوب، خلف) بضم الضاد {ضُعْفٍ}، وهي لغة تميم، وهما لغتان فصيحتان نزل بهما القرآن؛ قيل: الضَّعف (بالفتح) مصدر في الرأي والعقل والبدن، والضُّعف (بالضم) اسم للضعف في البدن والتركيب الجسدي.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «أنه قرأ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم {من ضَعْف} بفتح الضاد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {من ضُعْف} بضم الضاد»؛ فدل على جواز القراءتين وفضلهما.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«ضَعْفٍ / ضُعْفٍ»: ضد القوة، وهو العجز والوهن والافتقار إلى الغير.
{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}: فعل مضارع والفاعل مستتر وما موصولة مفعول به وجملة يشاء صلتها، والجملة مستأنفة.
{وَهُوَ}: الواو عاطفة أو حالية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
{الْعَلِيمُ}: خبر أول مرفوع بالضمة.
{الْقَدِيرُ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رسم منحنى الحياة الإنسانية (القوس الحيوي): في نسق بلاغي وإعجازي فريد، رسمت الآية المسار البيولوجي للإنسان كقوس يبدأ من الحضيض (الضعف)، ثم يصعد إلى القمة (القوة والشباب)، ثم ينحدر حتماً إلى القاع ثانية (الضعف والشيبة)؛ ليرى الإنسان عياناً أنه محكوم بقبضة قاهرة لا يملك معها فكاكاً من سنن الهرم والموت.
التذييل باسمي {الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}: ختمت الآية بالعلم والقدرة؛ فـ «العليم» بتفاصيل التخليق والجينات وأطوار الجسد من المهد إلى اللحد، و«القدير» على نقله بين هذه المتناقضات (من عجز إلى بطش ثم إلى هرم) بغير استئذان منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استقلال الإنسان بنفسه وغروره بالقوة: يغتر الإنسان في طور شبابه بفتوته وعلمه وصحته، فيظن أنه قادر على كل شيء ويستطيل بالبغي.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تذكره الآية بحقيقة ضعفه التكويني؛ فأنت لم تصنع قوتك بيدك، بل وُهبت لك بعد طفولة عاجزة كنت فيها عالة على والديك تبكي من الجوع ولا تطرد الذبابة عن وجهك، وقوتك هذه وديعة مؤقتة ستسلب منك حتماً وتتحول إلى ضعف وشيبة وشلل وأمراض؛ فالذي يتقلب بين ضعفين محكوم بسلطان قاهر يوجب عليه العبودية والتواضع، ويستحيل عقلاً أن يكون نداً لخالقه.
الطباق الدوري المتكرر: بين {ضَعْفٍ} و{قُوَّةً}، ثم بين {قُوَّةٍ} و{ضَعْفًا}؛ طباق يرسم حركة الزمان الدائرية في الجسد البشري.
التنكير في {ضَعْفٍ} و{قُوَّةً} و{شَيْبَةً}: يفيد تنوع أصناف الضعف (ضعف بنية، وضعف عقل، وضعف إرادة)، وتنوع مظاهر القوة والشباب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اغتنام مرحلة الشباب والقوة في طاعة الله: في الحديث الشريف: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك...»؛ فالقوة زائلة، والسعيد من أنفق شبابه في مرضاة ربه.
التواضع وبر الوالدين والشيوخ: تذكر ضعف الشيخوخة يورث في النفس رقة ورحمة بالوالدين وكبار السن الذين وصلوا إلى مرحلة {ضَعْفًا وَشَيْبَةً}.