قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص42)جامع البيانالطبري٢٠/٤٢ في تأويل الآية: «يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء الساعة التي يبعث الله فيها الموتى من قبورهم، يومئذ يتفرق أهل الإيمان بالله وأهل الكفر به؛ فينزل أهل الإيمان الجنات، ويُنقل أهل الكفر إلى دركات الجحيم، وهو فراق لا اجتماع بعده أبداً».
ونقل ابن كثير (ج6/ ص311)مصدر غير محدد٦/٣١١ عن قتادة قوله: «تفرُّقٌ والله لا اجتماع بعده؛ فريق في الجنة وفريق في السعير».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«يَتَفَرَّقُونَ»: التفرق هو التباين والانفصال والانقطاع الحاسم، وصيغة التفعل تفيد وقوع التفرق التام العظيم الذي يباعد بين الخلائق مباعدة أبدية لا رجعة فيها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَيَوْمَ}: الواو عاطفة، {يوم} ظرف زمان منصوب متعلق بـ {يتفرقون}.
{تَقُومُ السَّاعَةُ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ {يوم}.
{يَوْمَئِذٍ}: بدل من {يوم تقوم} توكيداً له وإبرازاً لهوله، ويوم مضاف، و{إذ} مضاف إليه مبني على السكون وحُرك بالكسر للتنوين تنوين العوض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار لفظ {يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ}: تكررت هذه الجملة مرتين متتاليتين في الآية (12) والآية (14)؛ لتهويل شأن هذا اليوم الفاصل في التاريخ الكوني، وتربية الرهبة في القلوب من ذلك الحدث المزلزل الذي يقلب موازين الخلائق.
التوكيد بـ {يَوْمَئِذٍ} بعد {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ}: هذا التوكيد اللفظي والظرفي يقطع أطماع الغافلين؛ فالتفرق حاسم لا محيص عنه، ومكانه وزمانه هو ذلك اليوم المشهود بعينه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استمرار الأنساب والروابط الدنيوية في الآخرة: يظن البعض أن الروابط الأسرية والاجتماعية والتحالفات الأرضية ستحفظ تماسكهم في القيامة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقرر الآية قاعدة الفصل والفرز العقلي المطلق؛ ففي الدنيا يجتمع المؤمن والكافر في بيت واحد، وتحت سقف واحد (كالزوج وزوجته في نوح ولوط، والوالد وابنه في نوح وإبراهيم)، وفي الحي والسوق والمدينة، أما في القيامة فإن الميزان يختلف كلياً: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}؛ فتنقطع كل الوشائج ولا يبقى إلا وشيجة الإيمان والعمل الصالح، فالتفرق ناموس عقلي وجزائي حتمي.
الإيجاز البليغ المهول في كلمة {يَتَفَرَّقُونَ}: كلمة واحدة تختزل نهاية العالم وتصدع المجتمع البشري وتمايز الفريقين؛ حيث يعقبها مباشرة في الآيتين التاليتين تفصيل هذا التفرق: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}.
الإشارة التدبرية: هذا التفرق الأبدي هو الفراق الحقيقي الذي يستحق البكاء والخوف؛ أما فراق الدنيا بالموت أو السفر فإنه مؤقت تلحقه لقاءات، أما فراق الجنة والنار فهو خلود بلا موت ولا لقاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار رهبة الفراق الأبدي: أن يحذر المسلم من أن يُفرّق بينه وبين أهله وأحبابه يوم القيامة بسبب تفاوت الإيمان والعمل الصالح، فيحرص على دعوة أهله وأولاده وصيانتهم من النار: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.
الاستعداد ليوم الفرز والحساب: جعل هذا المشهد رادعاً للنفس عن الركون إلى الدنيا الفانية، وحافزاً على المسارعة في الخيرات ليكون المرء في فريق السعادة والنعيم المقيم.