قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص103)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٣ وابن كثير (ج6/ ص336)مصدر غير محدد٦/٣٣٦: «يقول تعالى ذكره: مثل ذلك الطبع الذي ختم الله به على قلوب هؤلاء المكذبين من قريش حتى كذبوا بالقرآن وأنكروا الآيات، يختم الله ويطبع على قلوب كل من سلك سبيلهم من الذين لا يعلمون حقيقة التوحيد ورسالة الأنبياء، لإصرارهم على الكفر واستكبارهم عن اتباع الحق، فلا يصل إلى قلوبهم نور الإيمان ولا ينفذ إليها خير».
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«يَطْبَعُ»: الطَّبْعُ هو الختم والتغطية والغلق المحكم؛ طبع على الإناء إذا سده وختم عليه بحيث لا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء.
«قُلُوبِ»: القلوب هي محل الفهم والإدراك والبصيرة والإيمان.
«لَا يَعْلَمُونَ»: الجهل المستحكم والعمى عن الحقائق.
الإعراب والتركيب النحوي:
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف تشبيه، واسم الإشارة في محل نصب نائب مفعول مطلق (أي طبعاً مثل ذلك الطبع يطبع الله).
{يَطْبَعُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة للتكريم.
{عَلَىٰ قُلُوبِ}: جار ومجرور متعلقان بـ {يطبع}، وقلوب مضاف.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مضاف إليه مبني في محل جر.
{لَا يَعْلَمُونَ}: لا نافية، يعلمون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة لا يعلمون صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان العلة في قولهم السابق {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ}: هذه الآية تعليل وتقرير نفسي وعقدي لموقفهم المتعنت في الآية السابقة؛ فبينت أن قولهم للرسول "إن أنتم إلا مبطلون" لم يكن عن فكر، بل هو أثر من آثار "الطبع الإلهي" على قلوبهم؛ فلما أغلقت القلوب وطمست البصائر رأت الحق باطلاً والنور سحراً.
الارتباط بجهل أكثر الناس في أول السورة: بدأت السورة بقوله تعالى: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الآية 6)، وختمت هنا بقوله: {عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}؛ ليتطابق أول السورة مع آخرها في تشخيص داء البشرية الأكبر وهو الجهل المستكبر المعرض عن الوحي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أن الطبع يجبر الإنسان على الكفر ويسقط عنه العقاب: كيف يطبع الله على قلوبهم ثم يعاقبهم على كفرهم؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الطبع ليس قدراً ظالماً سابقاً باغتهم بغير ذنب، بل هو "أثر حتمي وجزاء عادل لاختيارهم وتكرار كفرهم وعنادهم وإعراضهم عن كل مثل وآية"؛ فالإنسان حين يكرر رفض الحق والاستهزاء بالبينات تضيق مجاري الخير في قلبه، وتتراكم عليه الذنوب راناً حتى يُقفل القلب نهائياً وتنسد منافذ النور فيه جزاء وفاقاً: {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. فالطبع عقوبة على الجهل المتعمد والاختيار الفاسد.
الاستعارة التصريحية أو التمثيلية في «الْطَبْعِ»: تشبيه إغلاق القلب عن قبول الهدى بالوعاء المختوم الذي لا ينفذ إليه ماء ولا هواء؛ لتصوير استحكام الضلال وموت البصيرة.
الإشارة التدبرية: أشد عقوبة يعاقب الله بها العبد في الدنيا ليست الفقر ولا المرض، بل هي "قسوة القلب والطبع عليه" حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً ولا تؤثر فيه موعظة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف العظيم من طمس القلب: أن يكثر المسلم من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» و«اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك».
المبادرة بقبول الحق فور بيانه: الحذر الشديد من رد الحق عند أول سماعه؛ فإن رد الحق قد يورث القلب زيغاً وطبعاً لا فلاح بعده: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.