حقيقة الوعد الإلهي: قال الإمام ابن جرير الطبري (جامع البيان، ج20/ ص31)جامع البيانالطبري٢٠/٣١: «يقول تعالى ذكره: وعد الله المؤمنين النصر وظهور الروم على فارس وعداً، ولا يخلف الله وعده؛ لأنه لا يقع في خبره كذب ولا خلف، وما وعد به فهو كائن لا محالة».
بيان جهل أكثر الناس: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}؛ أي لا يعلمون صدق وعد الله، لقصور إدراكهم عن معرفة قدرة الله وحكمته في تدبير خلقه، فيقيسون الأمور بمقاييس الأسباب المادية المحسوسة فقط.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«وَعْدَ»: الوعد في الخير، وهو الإخبار بما سيقع من الفضل والإحسان، وخُلف الوعد امتناع وقوع ما وُعد به وهو محال في حق الله تعالى لكمال قدرته وصدق خبره.
«أَكْثَرَ»: اسم تفضيل يدل على الغلبة العددية، وأكثر الناس هم الكفار والغافلون.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَعْدَ}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: «وَعَدَ الله وعداً»، مؤكد لمضمون الجملة السابقة.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يُخْلِفُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{وَعْدَهُ}: مفعول به منصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكن حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{أَكْثَرَ}: اسم لكن منصوب بالفتحة، وهو مضاف، و{النَّاسِ} مضاف إليه.
{لَا يَعْلَمُونَ}: جملة فعلية منفية في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توكيد الوعد بالمصدر وإعادة لفظ الجلالة: أتى بالمفعول المطلق {وَعْدَ اللَّهِ} للتوكيد الصارم، ثم أعاد إظهار الاسم الجليل في قوله: {لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} ولم يقل "لا يخلفه" بالإضمار؛ لتربية المهابة وتعظيم شأن الوعد بانتسابه إلى الذات العلية.
الاستدراك القرآني بـ {وَلَٰكِنَّ}: استدراك يرفع توهم أن هذا الوعد الواضح سيكون معلوماً ومسلماً به عند الجميع؛ إذ بيّن أن أكثرية الناس محجوبون عن هذا العلم بسبب انغماسهم في الشبهات والشهوات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تأخر النصر وإخلاف الوعد المزعوم: قد يوسوس الشيطان لبعض النفوس الضعيفة عند تأخر النصر بأن الوعد قد تخلف.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
قرر الفخر الرازي (مفاتيح الغيب، ج25/ ص85)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٥/٨٥ أن إخلاف الوعد إنما يقع من العاجز الذي لا يقدر على الإيفاء، أو من الجاهل الذي تتغير عليه الأحوال، أو من الكاذب المفرط في أمانته، والله سبحانه منزه عن العجز والجهل والكذب كمال التنزيه، فوعده حق قطعي الوقوع، وتأخر الإنجاز إلى أمد محدد إنما هو لترتيب السنن واكتمال الحكمة.
الإظهار في موضع الإضمار: تكرار لفظ الجلالة {اللَّهُ} ولفظ {وَعْدَهُ} يفيد تثبيت الحقيقة وتوطين النفس على التسليم المطلق.
الإشارة التدبرية: مقياس "الأكثرية" في القرآن الكريم غالباً ما يقترن بعدم العلم أو عدم الشكر أو الفسق: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، فلا يغتر المؤمن بانسياق الكثرة خلف الماديات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة المطلقة بوعد الله: غرس عقيدة اليقين الجازم بأن عواقب الأمور بيد الله، وأن النصر للمتقين مهما طال ليل الظلم والابتلاء.
مباينة مقاييس الجاهلية: عدم قياس الحق والباطل برأي الأغلبية الغافلة، والاعتصام بالوحي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.