روى الطبري (جامع البيان، ج20/ ص37)جامع البيانالطبري٢٠/٣٧ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: أن «السوأى» هي الخصلة السوأى، وقيل هي جهنم والنار وبئس المصير؛ لأنها أسوأ العواقب، كما أن الحسنى هي الجنة.
وقال ابن كثير (ج6/ ص309)مصدر غير محدد٦/٣٠٩: «أي كانت عاقبتهم أسوأ العواقب بسبب تكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها، واستدراجهم بالذنوب حتى آل بهم الأمر إلى الكفر الصريح والجحود التام».
السبب الحقيقي للهلاك: علل الله تعالى هذه العاقبة السوء بأمرين قبيحين: التكذيب بالبينات، والاستهزاء بآيات الله ورسله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المعجم والدلالة:
«السُّوأَىٰ»: فعلى مؤنث الأسوء (مثل الحسنى مؤنث الأحسن)، وهي البالغة في السوء والشر غايته، وتطلق على العقوبة الشديدة والنار.
«يَسْتَهْزِئُونَ»: من الهزء وهو السخرية والاستخفاف والضحك من الشيء احتقاراً له.
القراءات والإعراب النحوي:
قراءة الجمهور: بنصب {عَاقِبَةَ} ورفع {السُّوأَىٰ}، أو العكس برفع {عَاقِبَةُ} ونصب {السُّوأَىٰ}:
الوجه الأول: {عَاقِبَةَ} خبر كان مقدم منصوب بالفتحة، و{السُّوأَىٰ} اسمها مؤخر مرفوع بضمة مقدرة، و{أَن كَذَّبُوا} مصدر مؤول في محل جر بالباء محذوفة (أي لأن كذبوا)، أو بدل من السوأى.
الوجه الثاني: {عَاقِبَةُ} اسم كان مرفوع، و{السُّوأَىٰ} خبرها منصوب بفتحة مقدرة.
الوجه الثالث (الأرجح عند المحققين كابن عاشور): {عَاقِبَةَ} خبر كان مقدم، و{السُّوأَىٰ} نعت لعاقبة مبني على الفتح أو نعت مقدر، والمصدر المؤول من {أَن كَذَّبُوا} هو اسم كان المؤخر؛ أي: ثم كان تكذيبهم بآيات الله عاقبةَ الذين أساؤوا السوأى.
{أَسَاءُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{بِآيَاتِ اللَّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ {كذبوا}.
{وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}: كان واسمها، وبها متعلقان بـ {يستهزئون}، وجملة يستهزئون في محل نصب خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج النفسي للذنوب من الإساءة إلى الكفر والاستهزاء: هذا النظم المعجز يكشف سنة التدرج في الانحدار القيمي؛ فالإنسان يبدأ بـ «الإساءة» والمعاصي، فيقسو قلبه ويغشاه الران، ثم يقوده ذلك إلى «التكذيب» بالحقائق والآيات، ثم ينتهي به المطاف إلى «الاستهزاء» والسخرية الوقحة؛ ليغلق على نفسه كل أبواب الرحمة، فتكون عاقبته السوأى.
الارتباط بختام الآية السابقة: لما بين في الآية السابقة أنهم كانوا أنفسهم يظلمون، جاء بحرف التراخي {ثُمَّ} لبيان المآل النهائي لذلك الظلم والإساءة، وهو حلول أسوأ العقاب بهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فجائية العقاب وظلم المكذبين: قد يظن غافل أن العقوبة جاءتهم بغتة بلا استحقاق.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تدفع الآية هذه الفرية بأن الهلاك لم يكن مصادفة، بل كان نتيجة حتمية لمسار طويل من الإساءة المستحكمة، ثم المكابرة في التكذيب بالبينات، ثم التردي في الاستهزاء والتبجح؛ فالعدالة الإلهية قائمة على مقتضى الاستحقاق والجزاء الوفاق.
الجناس والطباق الاشتقاقي الفخم: بين {أَسَاءُوا} و{السُّوأَىٰ} جناس اشتقاقي بديع يربط بين طبيعة العمل (الإساءة) وطبيعة الجزاء (السوأى)، تأكيداً لقاعدة أن الجزاء من جنس العمل.
صيغة الاستمرار في {يَسْتَهْزِئُونَ}: استخدام الفعل المضارع يدل على أن استهزاءهم لم يكن فلتة عارضة، بل كان خلقاً مستمراً ودأباً متجدداً يواجهون به كل موعظة وحجة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير المخيف من شؤم المعاصي: استنبط العلماء من الآية أن صغار الذنوب تجر إلى كبارها، والمعاصي بريد الكفر؛ فالإصرار على السيئات يطمس نور البصيرة حتى يستثقل العبد الوحي ثم يكذب به ثم يستهزئ به.
صيانة اللسان والقلب من الاستهزاء بشعائر الدين: الحذر الشديد من السخرية بأي حكم شرعي أو سنة نبوية أو مظهر من مظاهر الاستقامة؛ فإن الاستهزاء بالدين من أعظم موجبات الخسران وسوء الخاتمة.