روى الإمام أحمد في المسند والترمذي في سننه وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما نزلت الآية خرج يصيح في نواحي مكة، فقال له المشركون: هذا بيننا وبينكم، كم البضع؟ ثلاث سنين أو تسع سنين؟ فضاربهم أبو بكر على ست سنين بمائة قلوص، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع»، فزاد في المدة والمال، فظهرت الروم على فارس في السنة السابعة.
ونقل الطبري (ج20/ ص28)مصدر غير محدد٢٠/٢٨ عن مجاهد وقتادة وأبي عبيدة والفراء: أن «البضع» في كلام العرب ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما دون العشرة، وهو قول المحققين من أهل اللغة والتفسير.
معنى {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}: أي لله تعالى القضاء النافذ والسلطان القاهر قبل غلبة الروم وحين غلبت فارس، وبعد غلبة الروم؛ لا يخرج شيء عن مشيئته وتدبيره في الكون.
تحديد يوم فرح المؤمنين:
القول الأول: فرحوا بنصر الروم لأنهم أهل كتاب على الفرس المجوس، وكان ذلك موافقاً لظهور أمارات نصر الإسلام.
القول الثاني (المروي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وعكرمة): أن غلبة الروم وقعت يوم بدر، ففرح المؤمنون بنصرين متزامنين: نصرهم هم على مشركي قريش ببدر، ونصر أهل الكتاب على مجوس فارس، كما قال ابن كثير (ج6/ ص306)مصدر غير محدد٦/٣٠٦.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«بِضْعِ»: قطعة من العدد لا تبلغ العقد، مأخوذة من البَضْع وهو القطع، كأنه جزء اقتُطع من جملة العشرة.
«الْأَمْرُ»: الشأن، والقضاء، والتدبير، والملكوت الكلي النافذ في خلقه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فِي بِضْعِ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل {سَيَغْلِبُونَ} في الآية السابقة، وبضع مضاف، و{سِنِينَ} مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
{لِلَّهِ}: اللام حرف جر، ولفظ الجلالة مجرور، والجار والمجرور شبه جملة في محل رفع خبر مقدم.
{الْأَمْرُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}: اسمان ظرفيان بُنيا على الضم لانقطاعهما عن الإضافة لفظاً لا معنى (أي من قبل الغلب ومن بعده)، وهما في محل جر بمن.
{وَيَوْمَئِذٍ}: الواو استئنافية، {يوم} ظرف زمان مضاف إلى {إذ} المنونة بالكسر تنوين عوض عن جملة محذوفة تقديرها (ويوم إذ تغلب الروم)، متعلق بـ {يفرح}.
{يَفْرَحُ}: فعل مضارع مرفوع، و{الْمُؤْمِنُونَ} فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقديم الجار والمجرور {لِلَّهِ}: يفيد الحصر والقصر؛ أي أن الأمر والتدبير وتصريف الأمم مقصور على الله وحده، لا يملكه كسرى بجيوشه، ولا قيصر بأساطيله، ولا صناديد قريش بمكرهم.
بناء (قبل وبعد) على الضم: هذا البناء النحوي المخصوص يورث في النفس رسوخ المعنى وانقطاع التردد؛ فالأمر لله في كل آن وفي كل أزل وأبد.
التناسب بين غلبة الروم وفرح المؤمنين: رتب القرآن فرح المؤمنين على تحقق نصر الله؛ لأن فرحهم ليس تشفياً دنيوياً مجرداً، بل هو فرح بانتصار مبدأ الإيمان بالرسالات الإلهية، وفرح بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وظهور صدق وعد القرآن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة التناقض المزعوم في توقيت انتصار الروم مع غزوة بدر: أثار بعض المستشرقين إشكالاً في توقيت صلح الحديبية وغزوة بدر وتاريخ معارك هرقل ضد كسرى.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
حقق الإمام ابن كثير (ج6/ ص306)مصدر غير محدد٦/٣٠٦ وابن تيمية في الجواب الصحيح (ج1/ ص366)مصدر غير محدد١/٣٦٦ وتاريخ الطبري أن هرقل بدأ حملاته المضادة العنيفة سنة 622م (الموافقة للسنة الأولى للهجرة)، وبدأ بكسر شوكة الفرس حتى بلغ ذروة انتصاراته واستعاد بيت المقدس وأجلى الفرس عن الشام ما بين سنة 624م (سنة بدر الكبرى) وسنة 628م (سنة الحديبية)، وكلا التوقيتين يقع بدقة متناهية داخل إطار «البضع سنين» منذ نزول الآية بمكة قبل الهجرة بنحو خمس أو ست سنوات، مما يؤكد التطابق الصارم بين النبوءة والواقع التاريخي الموثق في السجلات البيزنطية والفارسية والإسلامية.
قصر الاختصاص والتوحيد: {لِلَّهِ الْأَمْرُ} جملة اسمية تفيد الثبوت والاستقرار، وتقديم المسند يفيد أن الملك والتصريف خالص لله، فلا مجال للقلق على مصائر الدعوات ما دام الأمر بيد الله.
الإشارة التدبرية: مشروعية الفرح بانتصارات الحق وتراجع قوى الباطل في العالم؛ فقلب المؤمن متصل بالأمة الإيمانية الكبرى ويفرح بكل ما يقرب البشرية من الهدى ويدحر قوى الظلم والوثنية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحصين العقدي ضد اليأس السياسي: عندما تتكالب قوى الظلم وتتراجع قوى الخير، يستحضر المؤمن قوله تعالى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}؛ فيطمئن قلبه بأن لله تدابير خفية تحرك التاريخ نحو غاياته المرسومة.
مشروعية الفرح بنصر الله: توجيه مشاعر الفرح؛ فالمؤمن لا يفرح بالدنيا ومتاعها الزائل، وإنما يفرح بنصر الله وإعزاز دينه وصدق وعده.