وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ
وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ
خاتمة السورة: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وما يتَّعظ هؤلاء بهذا القرآن إلا أن يشاء الله لهم الاتعاظ به. وأن قوله {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} أي هو أهلٌ أن يُتَّقى فيُطاع فلا يُعصى، وأهلٌ أن يغفر لمن اتقاه وأناب إليه. ونقل عن قتادة قوله: ربنا أهلٌ أن يُتَّقى وأهلٌ أن يغفر. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على هذا المعنى؛ أي هو حقيقٌ أن يُخاف ويُتقى، وحقيقٌ أن يغفر لمن تاب إليه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الإضافة في {أَهْلُ التَّقْوَىٰ} من إضافة الشيء إلى ما يستحقه؛ أي هو مستحقٌّ لأن يُتقى. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة والخمسين من سورة المدثر، أن الجمع بين وصفي التقوى والمغفرة في خاتمة السورة جمعٌ بين موجب الخوف وموجب الرجاء، وهو ختامٌ يناسب سورةً بُنيت على الإنذار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتمت السورة بهذه الآية الجامعة؛ فجمعت بين تقرير مشيئة الله بعد إثبات مشيئة العبد، وبين وصفين له سبحانه يجمعان الخوف والرجاء. وموقعها بعد {فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ} في غاية الإحكام؛ إذ لو وقف الأمر عند مشيئة العبد لأوهم استقلاله، ولو اقتُصر على مشيئة الرب لأوهم الجبر؛ فجاء الجمع بينهما في آيتين متجاورتين. ثم إن ختم السورة بالمغفرة بعد كل ما فيها من التهويل بسقر من أبدع ما يكون؛ فالسورة التي بدأت بـ{قُمْ فَأَنذِرْ} انتهت إلى {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}؛ فبين المطلع والختام رحلةٌ من الإنذار إلى الرجاء. وهذا هو المنهج القرآني في تربية القلب: يُخوَّف ليُحمَل على الطلب، ثم يُرجَّى لئلا ييأس.