وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
رابع الأوامر: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل اختلفوا في "الرجز"؛ فقال مجاهد وقتادة والضحاك: هي الأوثان والأصنام، والمعنى: اهجر عبادتها وكل ما يتصل بها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية: الرجز الإثم والمعصية. وقال آخرون: هو العذاب؛ أي اهجر ما يُوجب العذاب. ورجَّح الطبري القول الأول لدلالة السياق على مقام مفارقة الشرك. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد الأوثان، وأن الآية أمرٌ بمفارقتها والبراءة منها ومن أهلها. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن الأقوال ترجع إلى معنى واحد، فإن الأوثان أصل الإثم، والإثم سبب العذاب. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة المدثر، أن الأمر بالهجر مع أن النبي ﷺ لم يعبد وثناً قط إنما هو أمرٌ بالدوام على المفارقة وإعلانها، لا ابتداءُ ترك.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هجر الرجز عقب تطهير الثياب؛ فبعد إزالة الخبث الحسي عن الظاهر جاء الأمر بإزالة الخبث الأكبر عن الحياة كلها. وفي هذا الترتيب تدرُّجٌ من الأصغر إلى الأعظم، ومن دائرة الشخص إلى دائرة الاعتقاد والمجتمع؛ فإن هجر الأوثان في مكة يومئذ إعلانُ قطيعة مع نظام القوم كله لا مجرد ترك عبادة. ثم إن هذه الآية تمهِّد لما سيأتي في السورة من عرض حال من لم يهجر الرجز فأصرَّ واستكبر، ومن مآله في سقر؛ فالسورة كلها في هذا الميزان: من هجر الرجز نجا، ومن استمسك به هلك.