وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
ثالث الأوامر بعد القيام: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أقوال أهل التأويل فيها، وحاصلها ثلاثة: الأول أنه على ظاهره، أي طهِّر ثيابك من النجاسات؛ رُوي هذا عن ابن سيرين وابن زيد، وقالوا: كان المشركون لا يتنزَّهون من النجاسة فأُمر النبي ﷺ بخلاف هديهم. والثاني أن الثياب كناية عن النفس والعمل؛ أي فطهِّر نفسك من الذنوب وعملك من المعاصي؛ رُوي عن مجاهد وقتادة وإبراهيم النخعي. والثالث أن المراد لا تلبسها على غدر ولا على معصية؛ فإن العرب تقول: فلانٌ طاهر الثياب؛ أي بريء من الدنايا، وتقول: دنس الثياب؛ أي غادر خبيث. ورجَّح الطبري أن يقال: أُمر بتطهير الثياب من النجاسة، وفي ذلك دلالة على تطهير النفس من المآثم؛ فيجمع الوجهين. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن الأقوال متلاقية غير متعارضة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن جماعة من الفقهاء احتجوا بها على وجوب طهارة الثوب للصلاة. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة من السورة، أن حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز معاً في مثل هذا المقام من سعة النظم القرآني.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الأمر بتطهير الثياب بعد الأمر بتكبير الرب مباشرة؛ فالتكبير طهارة الباطن من الشرك، وتطهير الثياب طهارة الظاهر من الخبث؛ فاجتمع للنذير نقاء السريرة ونقاء المظهر. ثم أُتبع بهجر الرجز في الآية بعده؛ فترتَّب النظم على ثلاث مراتب: تعظيم المعبود، وتطهير الظاهر، وهجر مصدر الخبث كله. وفي هذا الترتيب حكمة دعوية بالغة: فإن حامل الرسالة يُنظر إليه قبل أن يُسمع منه، وثوبه من أول ما يقع عليه بصر المدعو؛ فمن دنس مظهره سقطت كلمته قبل أن ينطق بها.