إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
شروعٌ في تشريح لحظة القرار: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: إنه تفكَّر ماذا يقول في القرآن، وقدَّر في نفسه ماذا يصنع؛ فهيَّأ في خاطره كلاماً يصرف به الناس عنه. ونقل عن مجاهد وقتادة نحو ذلك. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا بيانٌ لما دار في نفسه قبل أن ينطق. وذكر أهل السير والتفسير قصة ذلك؛ وقد أوردها أهل السير والتفسير عند تفسير هذه الآيات من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن الوليد بن المغيرة سمع القرآن من النبي ﷺ فرقَّ له، فبلغ ذلك قريشاً فخشوا أن يصبو، فجاءه أبو جهل يؤنِّبه ويحرِّضه، فقال لهم الوليد بعد أن جمعهم: ما تقولون فيه؟ فقالوا: كاهن؛ فقال: ما هو بكاهن، وقد رأينا الكهان فما هو بزمزمتهم ولا سجعهم. قالوا: مجنون؛ قال: ما هو بمجنون، وقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا تخالجه. قالوا: شاعر؛ قال: ما هو بشاعر، وقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه فما هو بالشعر. قالوا: ساحر؛ قال: ما هو بساحر، وقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. وقد رُوي عنه في وصف القرآن نحو قوله: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمُغدق. ثم انتهى به التقدير إلى أن قال لهم: ما هو إلا ساحر يفرِّق بين المرء وأهله. وذكر النسفي في "التيسير في التفسير"، عند تفسير هذه الآيات، طرفاً من هذا الحوار، وفيه قوله عن النبي ﷺ: ما كذب محمدٌ قط، وما خُنق محمدٌ قط.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بعد أن قُدِّم الحكم في الآيات (16 - 17)، جاء هذا المقطع ليعرض الوقائع التي بُني عليها الحكم؛ فهو بمنزلة تسبيب الحكم بعد النطق به. وقد بُني المقطع على ثمانية أفعال متتابعة تصوِّر رحلة القرار: فكَّر، قدَّر، نظر، عبس، بسر، أدبر، استكبر، قال. وقد تخلَّلها الدعاء عليه مرتين: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ}. فجاء التصوير بطيئاً متدرجاً كأنه يُعرض على السامع لحظةً لحظة؛ وهذا الإبطاء المتعمَّد في سورةٍ سريعة الفواصل من أبدع ما في نظمها؛ إذ أراد أن يُحضِر السامع مشهد الجريمة لا أن يخبره بها.