وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ
وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ
خامس الأوامر، وهو أدقُّها مأخذاً: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أقوالاً لأهل التأويل؛ أشهرها ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تعطِ عطيةً تلتمس بها أكثر منها؛ فهذا نهيٌ عن المنِّ الذي يُراد به الاستكثار من العوض. وقال قتادة والضحاك: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. وقال مجاهد: لا تُعطِ مستكثراً. وقال آخرون: لا تضعف عن الطاعة مستكثراً لما تحمَّلت؛ من قولهم: حبلٌ مَنينٌ؛ أي ضعيف مقطوع. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المشهور فيها معنى النهي عن إعطاء العطية لأجل أن يُعطى أكثر منها؛ وذكر أن هذا الحكم خاصٌّ بالنبي ﷺ من جهة كماله، وأمته مأمورة بمعناه من جهة الإخلاص. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة من السورة، أن {تَسْتَكْثِرُ} حالٌ من فاعل {تَمْنُن}؛ فالنهي منصبٌّ على المنِّ المقيَّد بقصد الاستكثار لا على أصل العطاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا النهي في وسط الأوامر لينقِّي الباعث بعد ما نقَّى المعتقد والظاهر؛ فتكبير الرب طهارة المقصود، وتطهير الثياب طهارة المظهر، وهجر الرجز طهارة السلوك، وهذا النهي طهارة النية والدافع. وهو ألصق ما يكون بمقام الدعوة؛ فإن الداعية إذا مَنَّ على الناس بدعوته أو انتظر منهم عوضاً بطل أثره وسقطت كلمته. ويتناسب هذا مع ما سيأتي في السورة من عرض نموذج من استكثر عطاء الله عليه ثم طمع في المزيد: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ}؛ فالنذير مأمور بألا يستكثر ما يعطي، والمكذب مذمومٌ بأنه استكثر ما يأخذ ثم طمع في الزيادة؛ فبين الموضعين تقابلٌ بديع.