وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
ثاني المقسم به: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل اختلفوا في {أَدْبَرَ}؛ فقال بعضهم: إذ ولَّى وذهب؛ وقال آخرون: إذ أقبل بظلامه. ورجَّح القول الأول لأنه الموافق لظاهر اللفظ ولمقابلته بإسفار الصبح بعده. ونقل عن قتادة ومجاهد أن معناه: إذ ولَّى. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد إدباره وذهابه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في القراءة وجهين: {أَدْبَرَ} و{دَبَرَ}، وأن أهل اللغة اختلفوا: فقيل هما بمعنى واحد، وقيل: "دبر" بمعنى أقبل بعد غيره، و"أدبر" بمعنى ولَّى. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من السورة، أن اختيار "إذ" الدالة على الماضي هنا وهي في مقابلة "إذا" في الآية بعدها من دقائق النظم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء القسم بالليل ثانياً بعد القمر؛ والمناسبة بينهما ظاهرة؛ فالقمر آية الليل. ثم جاء بعده القسم بالصبح؛ فتكوَّن من الثلاثة مشهدٌ متصل: قمرٌ في الليل، ثم ليلٌ يُدبر، ثم صبحٌ يُسفر. وهذا الترتيب الزمني الدقيق يجعل القسم كله لوحةً واحدة لا ثلاث لوحات منفصلة. ثم إن اختيار {إِذْ} الماضية مع الليل و{إِذَا} المستقبلة مع الصبح في الآية بعدها من دقيق المقابلة؛ فالليل قد أدبر وانقضى، والصبح آتٍ متوقَّع. وفي هذا إيماءٌ إلى حال الدعوة يومئذ: ليل الجاهلية يُدبر، وصبح الإسلام يُسفر؛ فناسب المقسم به المقسم عليه من جهة الرجاء كما ناسبه من جهة التهويل.