فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
الالتفات إلى الأحياء: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فما لهؤلاء المشركين عن هذا القرآن وما فيه من العظة معرضين لا ينتفعون بها. ونقل عن قتادة نحوه. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا إنكارٌ على المشركين في إعراضهم عن القرآن مع وضوح دلائله. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "التذكرة" هي القرآن؛ سُمِّي بذلك لأنه يذكِّر بما فُطر عليه الناس ونُسي. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة والأربعين من السورة، أن الاستفهام هنا للتعجيب والإنكار، وأن {مُعْرِضِينَ} حالٌ من الضمير في {لَهُمْ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من مشهد الآخرة إلى واقع الدنيا بأسلوب الالتفات؛ فبعد أن عُرض مصير المكذبين وإقرارهم، وُجِّه الخطاب إلى الأحياء تعجيباً من إعراضهم. وهذا الانتقال من أبلغ ما يكون في التأثير؛ إذ يُعرض المآل أولاً ثم يُقال: فما بالكم تسلكون الطريق نفسه. ثم أُتبع بالتشبيه في الآيتين بعده {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}، ثم بكشف دعواهم {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً}، ثم بالردع وبيان العلة {كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ}. فالمقطع كله بناءٌ متدرِّج: تعجيبٌ، فتصويرٌ، فكشفُ عذر، فبيانُ علة.